تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية ) — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
حكمة الحكيم أن يحفظ جميعهم بتقنين رسوم وسنن بينهم تنحفظ بها دماؤهم وبالجري على منهاجها والأخذ بها من جهة من يختاره من بينهم فيجعله رئيسا لهم ، فهو الواجب في الحكمة من دون أن يتركهم مهملين ومنها أن اللّه تعالى لما كان حكيما وكان ما خلقه من نفس البشر عقلا قائما بالقوة وكان في الحكمة إخراج ما في القوة إلى الفعل واجبا كان من ذلك الحكم بوجوب إخراجه إلى الفعل بإقامة من يجعله كذلك فيقوم بتعليمه وتهذيبه وتبليغه كماله فيكون قائما بالفعل . وإذا ثبت ذلك في الحكمة فتخصيص من يصطفيه لذلك من عالم النفس - فيكون نبيا مؤيدا يقوم بأمره - واجب . ومن هذه الوجوه أوجبنا وجوب تخصيص الأنبياء من بين الناس بالفضيلة والوحي وأما قولك من أين أجزنا في الحكمة أن يختار من يختاره ويحوج الناس إليه فيكون توكيدا للعداوات بينهم حتى يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف ، فنقول : إن كل واجب جائز وليس كل جائز واجبا . ولما كان اختيار اللّه تعالى من بين خلقه من يجعله إماما ويؤيده بتأييده ليسوسهم ويحفظ نظامهم ويعلمهم مصالحهم واجبا كما أوجبناه وأثبتناه كان قتل من خالف السياسة وأمر اللّه واجبا ، فلذلك قلنا « أجزنا » وأما قولك أيها النائب عن ابن زكرياء أنه قد كان لابن زكرياء جواب غير ما نسب إليه بأن يقول كالقفص والقاطنين في الآفاق في سننهم المقررة فيما بينهم فانحفظ بها كل منهم من شرّ صاحبه وهم آمنون فذلك تمويه منك وتلبيس . فتلك الرسوم والسنن لم تتقرر من ذاتها وإنما قررها القائم بها ، وسبيلهم في أمورهم واعتصامهم بالقوانين التي لهم كغيرهم من المتقدّمين السالفين في تمسكهم بالشرائع التي بها انحفظت الفروج والدماء ، وتلك الشرائع المنسوخة كانت من جهة أولياء اللّه وأحبائه . والحمد للّه رب العالمين الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا اللّه