تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية ) — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
وافقك عليه القدماء من الفلاسفة أم خالفوك فيه ؟ قال : بل للقدماء في هذا أقوال مختلفة ، ولكني استدركت هذا بكثرة البحث والنظر في أصولهم فاستخرجت ما هو الحقّ الذي لا مدفع له ولا محيص عنه قلت : فكيف عجزت فطن هؤلاء الحكماء واختلفت أقاويلهم وكانوا بزعمك مجتهدين قد صرفوا هممهم إلى النظر في الفلسفة حتى أدركوا العلوم اللطيفة وصاروا فيها علماء وقدوة ، وأنت تزعم أنك أدركت ما لم يدركوا بكثرة نظرك في رسومهم وكتبهم وهم لك أيمّة وأنت لهم تبع لأنك درست رسومهم ونظرت في أصولهم وتعلّت من كتبهم . فكيف يجوز أن يكون التابع أعلى من المتبوع والمأموم أتمّ في الحكمة من الإمام ؟ قال : أنا أورد عليك في هذا ما تعلم أنّ الأمر كما ذكرته وتعرف الصواب من الخطأ في هذا الباب . اعلم أنّ كل متأخّر من الفلاسفة إذا صرف همّته إلى النظر في الفلسفة وواظب على ذلك واجتهد فيه وبحث عن الذي اختلفوا فيه لدقّته وصعوبته علم علم من تقدّمه منهم وحفظه واستدرك بفطنته وكثرة بحثه ونظره أشياء أخر ، لأنه مهر بعلم من تقدّمه وفطن لفوائد أخر واستفضلها إذ كان البحث والنظر - والاجتهاد يوجب الزيادة والفضل قلت : فإن كان الذي استدركه المتأخّر خلافا على من تقدمه كما خالفت أنت من تقدّمك فإنّ الخلاف ليس بفائدة بل الخلاف شرّ وزيادة في العمى وتقوية للباطل ونقض وفساد ، ونحن نجدكم لم تزدادوا بكثرة البحث والنظر بآرائكم إلّا اختلافا وتناقضا . فإذا شرطت على نفسك أنّ المتأخّر يدرك ما لم يدركه المتقدّم كما زعمت أنك أدركته وأوردت الخلاف على من تقدّمك لا تأمن أن يجئ بعدك من يجتهد فزق ما اجتهدت فيعلم ما قد علمت ويستفضل
رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية ) — صفحة 301 | محمد بن زكريا الرازي / بول كرواس