قلت : فهل ترى الحكيم « 1 » فعل بخلقه هذا الذي تزعم أنه أولى بحكمته ورحمته ، وهل احتاط لهم فألهم الجميع ذلك وجعل هذه الهبة عامّة ليستغنى « 2 » الناس بعضهم عن بعض وترتفع عنهم الحاجة إذ كان ذلك أولى بحكمته ورحمته ؟
قال : نعم
قلت : أوجدنى حقيقة ما تدّعى ! فإنّا لا نرى في العالم إلّا إماما ومأموما وعالما ومتعلّما في جميع الملل والأديان والمقالات من أهل الشرائع وأصحاب الفلسفة التي هي أصل مقالتك . ولا نرى الناس يستغنى بعضهم عن بعض بل كلّهم محتاجون بعضهم إلى بعض غير مستغنين بإلهامهم عن الأيمّة والعلماء ، لم يلهموا « 9 » ما ادّعيت من منافعهم ومضارّهم في أمر العاجل والآجل بل أحوجوا إلى علماء يتعلّمون منهم - وأيمّة يقتدون بهم وراضة يروضونهم . « 10 » وهذا عيان لا يقدر على دفعه إلّا مباهت ظاهر البهت والعناد . وأنت مع ذلك تدّعى أنك قد خصصت بهذه العلوم التي تدّعيها من الفلسفة وأنّ غيرك قد حرم ذلك وأحوج إليك وأوجبت عليهم التعلّم منك والاقتداء بك
قال : لم أخصّ بها أنا « 14 » دون غيرى ، ولكنّى طلبتها وتوانوا فيها . وإنما حرموا ذلك لإضرابهم عن النظر لا لنقص فيهم . والدليل على ذلك أنّ أحدهم يفهم من أمر معاشه وتجارته وتصرّفه في هذه الأمور ويهتدى بحيلته إلى أشياء تدقّ عن فهم كثير منّا ، وذلك لأنه صرف همّته إلى ذلك . ولو صرف همتّه إلى ما صرفت همتّى أنا إليه وطلب ما طلبت « 18 » لأدرك ما أدركت
قلت : فهل يستوى الناس في العقل والهمّة والفطنة أم لا ؟
« 20 » قال : لو اجتهدوا واشتغلوا بما يعينهم لاستووا في الهمم والعقول
هامش
( 1 ) الحكيم الرحيم ك -
( 2 ) يستغنى الناس بها ك -
( 9 ) لم يلهموا على ما ك -
( 10 ) يرضونهم ك -
( 14 ) انا بها ك -
( 18 ) وطلب ما طلب غيره ك -
( 20 ) بما يعنيهم ك