الترجمة
أما ثابت بن قرة الحرّانىّ « 1 » الذي كان يترجم كتب الفلسفة من اللغة اليونانية والخط اليونانىّ إلى اللغة العربية والخط العربىّ فإنه أتى ببرهان على أنّ الأفلاك والكواكب أحياء ناطقة .
وذلك أنه قال إنّ الإنسان ذو حياة ونطق من أجل أن جسده أشرف الأجساد ولأنّ أشرف نفس حلت في أشرف جسد الذي هو جسد الإنسان ، وهذه النفس حية ناطقة ، وهذه مقدمة صادقة . ثم قال إنّ أجساد الأفلاك والنجوم بغاية الشرف واللطافة وفي نهاية الطهارة ، وهذه مقدمة ثانية صادقة . ونتيجة هاتين المقدمتين أنّ للأفلاك والنجوم أنفسا ناطقة وأنها أحياء ناطقة .
فهذا البرهان الذي أتى به هذا الفيلسوف على أنّ الملائكة هم الأفلاك والكواكب وأنّ هذه أحياء ناطقة
ومن الفلاسفة من لا يمدح هذا قط بل يقرّون بوجود شياطين ويقولون إنّ نفوس الجهلة الأشرار متى فارقت أجسادها تبقى في هذا العالم . وذلك أنها لما تركت أجسادها وهي في حسرة الشهوات الحسية التي تجتذبها ( إلى العالم ) لا تستطيع أن تخلص من الطبائع فتدخل جسما خبيثا وتنتقل في العالم وتخدع الناس وتعلمهم الرذائل وتضلهم في البراري حتى يهلكوا . كما قال محمد بن زكرياء الرازىّ في كتابه ( في العلم ) الإلهىّ إنّ نفوس الأشرار التي صارت شياطين تتجلى لبعض الناس في صورة ( الملائكة ) وتأمرهم أن اذهب وقل للناس إنه قد جاءني ملك فقال لي إنّ اللّه أعطاك الرسالة وإني الملك ( المبعوث إليك ) ، حتى وقع الاختلاف بين الناس بسبب ذلك وقتل خلق كثير نتيجة تدبير تلك النفوس التي أصبحت شياطين . - وقد رددنا على قول ذلك المهوس الجرىء في كتاب بستان العقل « 2 » فلا نعنى في هذا الموضع بالجواب عن هوسه
وفي هذه القطعة تكملة ما مضى من آراء الرازي في تناسخ الأرواح وهي تمس أيضا
هامش
( 1 ) راجع أيضا كتاب مفاتيح الغيب لفخر الدين الرازىّ ( طبعة مصر 1308 ) ج 5 ص 435 : « وكان ثابت بن قرة يثبت النفس ويقول إنها متعلقة بأجسام سماوية نورانية لطيفة غير قابلة للكون والفساد والتفرق والتمزق ، وان تلك الأجسام تكون سارية في البدن ، وما دام يبقى ذلك السريان بقيت النفس مدبرة للبدن ، فإذا انفصلت تلك الأجسام اللطيفة عن جوهر البدن انقطع تعلق النفس عن البدن »
( 2 ) راجع من فوق ص 169