شرح
واعتبار كون القرآن ناطقاً ، بلحاظ كونه في مقابل الكتاب التكويني لله سبحانه وتعالى ، وهو ليس بهذه المنزلة ، فإن القرآن كتاب الله التشريعي والكون كتاب الله التكويني ، ولذا قال سبحانه وتعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء « 813 » 8 على تقدير إرادة الكتاب التكويني كما ذهب إليه البعض فإنه احتوى على كل شيء له قابلية الوجود ، فإن الله سبحانه وتعالى يمنح الوجود لمن تقضى الحكمة بوجوده أو يكون الأفضل وجوده « 814 » 8 وإن كان يحتمل إرادة القرآن الكريم . « 815 » 8 فلذا لا منافاة بين أن يكون الكتاب ناطقاً وأن يكون صامتاً من جهتين ، فقول أمير المؤمنين علي عليه السلام : ( أنا كتاب الله الناطق ) في واقعة صفين حينما أمر معاوية برفع المصاحف على الرماح « 816 » 8 إنما هو في مقابل القرآن الصامت الذي لا ينطق ولا يتكلم حسب المعنى المعهود المتعارف . هذا ومن المعلوم ان نطق كل شيء بحسبه ، لأن النطق يفيد معنى البيان . « 817 » 8
هامش
( 813 ) - الأنعام : 38 .
( 814 ) - ربما يكون مقصود الإمام المؤلف ب : ( لمن تقضى الحكمة بوجوده ) : ما هو خير محض ، وب ( أو يكون الأفضل وجوده ) : ما خيره أكثر ، من الأقسام الخمسة المذكورة في علم الكلام .
( 815 ) - وقد احتمل إرادة اللوح المحفوظ [ راجع تفسير الجوهر الثمين ج 2 ص 255 ، وتفسير شبر ص 132 ، وكنز الدقائق ج 4 ص 321 ] ، واحتمل في بعض التفاسير إرادة الأعم من التكويني والتشريعي . وفي ( تقريب القرآن إلى الأذهان ) في تفسير الآية المباركة : ( أي كتاب الكون ، فان الكون كتاب الله والموجودات كلماته ) .
( 816 ) - وسائل الشيعة : ج 18 ص 20 ب 5 ح 12 . وفي ارشاد القلوب ص 249 عن أمير المؤمنين عليه السلام : ( يا ابن أبي سفيان أنت تدعوني إلى العمل بكتاب الله ، وانا كتابه الناطق ) .
( 817 ) - قد يستفاد هذا من بعض كتب اللغة ، فمثلًا قال في ( لسان العرب ) مادة نطق : ( وكتاب ناطق : بين ) .