هامش
من جمع القرآن ؟
وهنا ما يلفت النظر ويجلب الانتباه ، وهو قول جبرئيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عند نزوله بالآية الأخيرة كما في الرواية : ( ضعها في رأس المائتين والثمانين من سورة البقرة ) ، فإنه صريح في أن الله تعالى أمر نبيه بجمع القرآن وبترتيبه ترتيباً دقيقاً حتى في مثل ترقيم الآيات ، وقد فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك في حياته صلى الله عليه وآله وسلم كما أمره الله تعالى ، ولم يكن صلى الله عليه وآله وسلم يترك القرآن متفرقاً حتى يجمع من بعده .
وهل يمكن للرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع كبير اهتمامه وكثير حرصه على القرآن الكريم أن لا يقوم بجمع القرآن وترتيبه ! وأن يتركه مبعثراً في أيدي المسلمين ويوكل جمعه إليهم ، مع أن الوحي أخبره بقوله : انك ميت وانهم ميتون . [ الزمر : 30 ] .
فهل يصح أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم حريصاً على القرآن من جهة حتى أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بحفظ القرآن والاهتمام به والتحريض على تلاوته والعمل به ، وخاصة في أيامه الأخيرة ، حيث كان يقول مراراً : إنّى مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدى أبداً وأن لا يجمع القرآن ويتركه مبعثراً من جهة أخرى ؟ .
بل أليس القرآن هو دستور الإسلام الخالد ، ومعجزته الباقية على مر القرون والأعصار إلى يوم القيامة ؟ ومعه هل يصح أن يتركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مبعثراً من دون أن يجمعه ؟ !
أم كيف بأذن الله تعالى لنبيه بأن لا يقوم بجمعه مع أنه تعالى يقول :إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ[ القيامة : 17 ] ويقول تعالى أيضاً :إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ[ الحجر : 9 ] فعلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابلاغ القرآن مجموعاً ومرتباً إلى الناس كافة ، كما جمعه الله تعالى ورتبه .
إذن : فهذا القرآن الذي هو بأيدينا على ترتيبه وجمعه ، وترقيم آياته ، وترتيب سوره وأجزائه ، هو بعينه القرآن الذي رتبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجمعه للمسلمين في حياته صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله تعالى ، لم يطرأ عليه أي تغيير وتحريف ، أو تبديل وتعديل ، أو زيادة ونقصان .
ويؤيده : ما روى عن تفسير علي بن إبراهيم عن الإمام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه أمر علياً عليه السلام بجمع القرآن وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( يا علي ، القرآن خلف فراشي في المصحف والحرير والقراطيس فخذوه واجمعوه ولا تضيعوه كما ضيعت اليهود التوراة ، فانطلق علي عليه السلام فجمعه في ثوب أصفر ثمّ ختم عليه ) [ بحار الأنوار : ج 89 ص 48 ب 7 ح 7 ط بيروت ] .