شرح
والحقيقة أنّ حكم العقل بالوجوب يتحقّق - كما قلنا سابقاً - على أساس قاعدة لزوم تحصيل المؤمّن من العذاب المحتمل ، ومن المعلوم أنّ هذا المؤمن يتحقّق بكلّ من الاحتياط والاجتهاد والتقليد على حدّ سواء ، فإنّ المطلوب للعقل تحصيل المؤمّن الذي يصدق على كلّ من الأمور الثلاثة بشكل واحد ، فليس الاحتياط مقدّماً عليه بناءً على ذلك .
وبعبارة أخرى : أنّ حكم العقل هو لزوم تحصيل المؤمّن ، لا لزوم تحصيل القطع بتحقّق المكلّف به ؛ فإنّ العقل لم يتعلّق له حكم بلزوم الوصول إلى المكلّف به .
ومن هنا يتبيّن أنّ الذي ذكره المحقّق الخوئي رحمه الله كجواب عن الاستدلال في غير محلّه ؛ حيث إنّه نظر إلى ما وقع في الشرع من تنزيل الأمارات بمنزلة القطع ، مع أنّنا نتكلّم في مرحلة ما يحكم به العقل بالنسبة إلى هذه الأمور الثلاثة ولم تصل النوبة بعدُ إلى مرحلة ما حكم به الشرع ؛ ومسألة التنزيل الشرعي أمر يثبت بسبب الاجتهاد ، مع أنّنا نريد أن نكشف حكم الاجتهاد نفسه .
وبعبارة أخرى : أنّ المحقّق الخوئي رحمه الله قبل في مسألة تعيين نوعية الوجوب أنّه عقلي ، فكيف رجع في هذه المسألة - أعني تعيين المراتب - إلى حكم الشرع ؟ ! فإنّ الشرع حسب الفرض ليس له حكم في أصل الوجوب ، فكيف يكون له حكم في تعيين المراتب ؟ !
فتبيّن : أنّ الفرض الصحيح - من بين الفروض الثلاثة المشار إليها - هو كون الاحتياط والاجتهاد والتقليد في عرض واحد ، وأمّا فرض كون الاحتياط مقدّماً على أخويه ، أو كون الاجتهاد والتقليد مقدّمين على الاحتياط ، فهما غير صحيحين .
وأمّا سائر الفروض المتصوّرة في المقام فلم يذهب إليها أحد ، فلا داعي لتطويل الكلام بالبحث فيها .