شرح
وأنت من العقلاء فارجع إلى نفسك ، فهل ترى أنّك لو مرضت بمرض ذا أهمّية ، ووجدت عندك طبيباً حيّاً يمكنك الرجوع إليه ، مع كونه مخالفاً للميّت في تشخيص الداء وكيفية علاجه وبيان الدواء ، فهل ترى نفسك مخيّرة بين الرجوع إليه أو إلى الميّت ، فماذا ترى وتحكم أيّها العاقل اللبيب ؟ !
نعم ، فيما إذا اتّفقا في الرأي ، أو لم يحصل الشكّ والترديد بالنسبة إلى استدامة التقليد عن الميّت ، أو حصل العلم من قول الميّت وكتابه ، أو جزم بأعلمية الميّت . . .
أو غير ذلك من الوجوه ، فإنّهم يرجعون إلى الميّت ، ولكن كلّ هذا خارج عن محلّ النزاع .
وبالجملة : لو لم نقل ببنائهم على عدم الرجوع إلى الميّت مع التمكّن من الحيّ المخالف له في الرأي والفتوى ، فلا أقلّ من الشكّ في تحقّق البناء ، ومعه لا وجه للتمسّك به .
والشاهد على ذلك : أنّ العوامّ بعد العلم بموت من كانوا يقلّدونه ، يتحيّرون ويتساءلون عمّن يصلح للمرجعية والتقليد ؛ حتّى يراجعوه : إمّا في أصل التقليد أو في مسألة البناء وعدمه ، فلو كان البناء كما ادّعي لما كان لهذا التحيّر والتساؤل وجه .
وأمّا الاعتداد بأقوال الأموات من العلماء والفقهاء ، والاهتمام بضبط آرائهم ومصنّفاتهم والمراجعة إلى كتبهم ، فليس شيء من ذلك دليلًا على تحقّق البناء من العقلاء على العمل بآراء الأموات وأقوالهم ؛ حيث لا يعدّ ذلك تقليداً ، بل كلّ ذلك - من ناحية العلماء والأخصّائيّين - إنّما هو لأجل الفحص والتفتيش عن الآراء والأقوال وما أفاده الأقدمون والسابقون من المطالب العلمية حول المسائل ؛ ليحصل لهم الاطمئنان بما فهموه من الأدلّة ولا يقعوا في مخالفة الإجماع أو الشهرة ، ولا يتسرّعوا إلى رأي شاذّ متفرّد .