شرح
تقليد الأعلم ، والوجه في ذلك : أنّ العامّي حيث لا ينظر إلى الأدلّة التفصيلية فله وعليه ما حكم به عقله ، وهو حجّته الباطنة عقلًا ونقلًا ، والعقل في هذه الوضعية لا يحكم إلّابوجوب تقليد الأعلم ؛ لأنّه المتيقّن حجّيته إذا دار الأمر بينه وبين غير الأعلم ، فإ نّ الأعلم محتمل تعيّنه دون غيره .
فعقل العامّي المتديّن - المتحذّر عن احتمال الوقوع فيما لا يرضى الشارع به من دون مؤ مّن له - يحكم عليه بالاحتياط ؛ برعاية احتمال التعيين إذا دار أمره بين التعيين والتخيير « 1 » ، هذا .
ولكنّ الوجه المذكور لا يخلو عن نظرٍ يستفاد من « الكفاية » . وأوضحه بعض الأعلام ، فقد علّق تعيّن الرجوع إلى الأعلم على ما إذا احتمل تعيّنه ، أمّا إذا لم يحتمل تعيّنه - بل استقلّ عقله بالتساوي من حيث الحجّية بين قول الأعلم وغيره ، وجواز الرجوع إلى غير الأعلم أيضاً - فلا بأس برجوعه إليه « 2 » .
والمبنى في هذا النظر هو عدم تقليدية الرجوع إلى الأعلم ، كأصل التقليد ورجوع الجاهل العامّي إلى العالم الجامع للشرائط ؛ بمعنى أنّ الذي يحمل العامّي على الرجوع إلى الأعلم - حينما يريد التقليد والرجوع إلى الغير - ليس إلّاحكم عقله وإدراكه ؛ وإلّا فالحامل له عليه لا يكاد يمكن أن يكون فتوى المجتهد - ولو كان أعلم - بلزوم الرجوع إلى الأعلم ؛ للزوم الدور « 3 » ، فإن لم يحكم عقله وإدراكه - ولو من باب الاحتياط - بتعيّن الرجوع إلى الأعلم ، فكيف يمكن حمله عليه ؟ !
هامش
( 1 ) - راجع : التنقيح في شرح العروة الوثقى 1 : 310 ؛ مطارح الأنظار 2 : 526 - 527 . .
( 2 ) - كفاية الأصول : 541 . .
( 3 ) - تفصيل الشريعة ، الاجتهاد والتقليد : 135 ، وراجع أيضاً في هذا المجال : حاشية الفيروزآبادي رحمه الله على العروة الوثقى مع تعليقات عدّة من الفقهاء 1 : 38 ، المسألة 46 . .