الوجه الثاني : إن أخبار العلاج يمكن أن يستفاد من بعضها ما يدلّ على عدم شمول أحكام العلاج الوارد فيها لموارد الجمع العرفي ، كما في صحيحة الراوندي التي أهمّ هذه الأخبار ، حيث تقول : ( إذا ورد عليكم حديثان متعارضان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فردّوه . . . ) حيث تفرض هذه الرواية نوعين من المخالفة :
أحدهما : المخالفة بين الخبر والكتاب ، حيث يستفاد منها حجّية الخبر المخالف مع الكتاب في نفسه وبقطع النظر عن معارضته بحديث آخر ، أي أن الخبر لا يسقط عن الحجّية بمجرّد مخالفته للكتاب الكريم ، فلولا وجود خبر آخر معارض له ، لوجب الأخذ بهذا الخبر وإن كان مخالفاً للكتاب ، لكن ليس المراد بالمخالفة مع الكتاب هي المخالفة بنحو التباين أو العموم من وجه ، وإنما المخالفة بنحوٍ يوجد جمع عرفي ، لما تقدّم من أخبار العرض التي تفيد أن ما خالف قول ربّنا فهو زخرف .
الثانية : المخالفة بين الخبر والخبر ، فلو كانت المخالفتان على شكل واحد ، بأن كانت مخالفة الخبر للكتاب الكريم بنحو العموم والخصوص المطلق ، وكانت مخالفة الخبر مع الخبر الثاني بنحو العموم والخصوص المطلق أيضاً ، فلا شكّ في حجّية الخبر من جهة معارضته مع الخبر الآخر ، لأنّه كما لا يستشكل في حجّية الخبر حال مخالفته مع الكتاب الكريم بنحو العموم والخصوص المطلق ، كذلك الحال في معارضة الخبرين اللذين بينهما عموم وخصوص مطلق .
وبهذا يتّضح أن مخالفة الخبر للكتاب تختلف مع مخالفة الخبر مع الخبر الثاني ، وبما أن مخالفة الخبر للكتاب الكريم مع الخبر بنحو العموم والخصوص المطلق - لما تقدّم من أن المخالفة مع الكتاب لو كانت بنحو التباين أو العموم من وجه فيلزم سقوط الخبر عن الحجّية - فلابدّ أن تكون مخالفة الخبر مع الخبر الثاني بنحو آخر وهو المخالفة بنحو التباين أو العموم من وجه ، أي المعارضة
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 391
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص٣٩١