ومنها : مكاتبةُ الحميريِّ عن الحجّة ( ع ) إذ جاء فيها يسألُني بعضُ الفقهاءِ عن المصلّي إذا قام مِن التشهّدِ الأوّلِ إلى الركعة الثالثةِ هل يجبُ عليه أن يكبّر ، فإنّ بعضَ أصحابنا قال : لا يجبُ عليه التكبيرُ ويجزيه أن يقول : بحولِ الله وقُوَّتِه أقومُ وأقعد ؟ فكتب ( ع ) في الجواب : ( إنّ فيه حديثين : أمّا أحدُهما فإنّه : إذا انتقلَ من حالةٍ إلى حالةٍ أخرى فعليه التكبيرُ ، وأمّا الآخرُ فإنّه رُوي : إذا رفعَ رأسَه من السجدةِ الثانيةِ وكبّر ثمّ جلسَ ثمّ قامَ ، فليس عليه في القيام بعدَ القعودِ تكبيرٌ ، وكذلك التشهّدُ الأوّلُ يجري هذا المجرى ، وبأيّهما أخذتَ من جهةِ التسليمِ كان صواباً ) .
وفقرةُ الاستدلالِ منها : قولُه ( ع ) ( وبأيّهما أخذتَ من جهة التسليم كان صواباً ) . والاستدلالُ بها لعلّه أوضحُ من الاستدلال بالرواية السابقة ، باعتبارِ كلمةِ ( أخَذْتَ مِن جهةِ التسليم ) التي قد يُستَشعرُ منها النظرُ إلى الحجّيةِ والتعبّدِ بأحد الخبرين .
والصحيحُ : أنّ الاستدلالَ بالرواية غيرُ وجيهٍ ؛ لأنّ السائلَ في هذه الرواية لم يفرضٍ خبرَين متعارضَين ، وإنّما سألَ عن مسألةٍ اختلف الفقهاءُ في حكمِها الواقعيِّ ، وإنّما يرادُ الاستدلالُ بها على التخيير باعتبار ما في جواب الإمامِ ( ع ) من نقلِ حديثينِ متخالَفين وترخيصهِ في التسليم بأيّهما شاء ، إلّا أنّ هذا الجوابَ غيرُ دالٍّ على التخيير المدّعَى ؛ وذلك لعدّة أمور :
الأوّلُ : ظهورُ كلامِ الإمام ( ع ) في الرخصةِ الواقعيّةِ ، لا التخييرِ الظاهريِّ بين الحجّتين ، كما تقدّمَ في الروايةِ السابقة .
الثاني : أنّ جملةَ ( وكذلك التشهّدُ الأوّل يجري هذا المجرى ) تارةً تُفترضُ جزءاً من الحديث الثاني ، وأخرى تفترضُ كلاماً مستقلًّا يضيفُه
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 276
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص٢٧٦