وأمّا البحثُ الاثباتيُّ فهناك رواياتٌ عديدةٌ استُدلَّ بها على التخيير .
منها : روايةُ عليِّ بن مهزيارٍ ، قال : ( قرأتُ في كتابٍ لعبد الله بن محمد إلى أبي الحسن ( ع ) : اختلفَ أصحابُنا في رواياتِهم عن أبي عبد الله ( ع ) في ركعتَي الفجر في السَّفر فروى بعضُهم : أن صلِّهما في المحمل ، وروى بعضُهم : لا تصلِّهما إلّا على الأرض ، فأعلِمْني كيف تصنعُ أنت لأقتدِيَ بك في ذلك ؟ فوقّع ( ع ) : موسّعٌ عليك بأيّةٍ عملتَ ) .
وفقرة الاستدلال منها : قوله ( ع ) : ( موسَّعٌ عليك بأيّةٍ عملتَ ) الواضحُ في الدلالة على التخيير وإمكانِ العمل بكلٍّ من الحديثين المتعارضين .
ولكن نلاحظُ على ذلك :
أوّلًا : أنّ الظاهر منها إرادةُ التوسعة والتخيير الواقعيِّ لا التخييرِ الظاهريِّ بين الحجّيتين ؛ لظهور كلٍّ من سؤال الراوي وجوابِ الإمام في ذلك .
أمّا ظهورُ السؤال فلأنّه مقتضَى التنصيص مِن قبلِه على الحكم الذي تعارضَ فيه الخبران ، والظاهر في استعلامِه عن الحكم الواقعي على أنّ قوله ( فأعلِمْني كيف تصنعُ أنتَ لأقتدِيَ بك ؟ ) كالصريح في أنّ السؤالَ عن الحكم الواقعيِّ للمسألة ، فيكونُ مقتضى التطابقِ بينه وبين الجواب كونَ النظر في كلام الإمام ( ع ) إلى ذلك أيضاً ؛ إذ لا وجهَ لصرف النظر مع تعيين الواقعةِ عن حكمها الواقعيِّ إلى الحكم الظاهريِّ العامّ .
وأما ظهورُ الجوابِ في التخيير الواقعيِّ فباعتبار أنّه المناسبُ مع حال الإمام ( ع ) العارفِ بالأحكامِ الواقعيّةِ والمتصدّي لبيانها ، فيما إذا كان السؤالُ عن واقعةٍ معيّنةٍ بالذات .
وثانياً : لو تنزَّلْنا وافترَضْنا أنّ النظرَ إلى مرحلةِ الحكمِ الظاهرِيّ والحجّيةِ فلا يمكنُ أن يُستفادَ من الرواية التخييرُ في حالات التعارضِ
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 268
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص٢٦٨