ظاهر على العامّ ، كما لو كان ظهور الدليل الأوّل منذ البداية خاصّاً في نفسه ، كما لو كان لسانه من أوّل الأمر يقول : ( يجب إكرام الفقراء العدول ) فإنه يصلح حينئذٍ لتخصيص الدليل الثاني ، لما تقدّم من أن الخاصّ أقوى في الشمول لمورده من العامّ ، وفي المقام لا تكفي أخصّية الدليل الأوّل الناشئة من تخصيصه بالدليل الثالث .
والوجه في ذلك هو أن العرف يقدّم الأخصّ على الأعمّ من باب كونه أظهر في الشمول لمورده من العامّ ، ولا يكون تقديم الخاصّ على العامّ لمجرّد خصوصيّته ، وعلى هذا الأساس فإنَّ تخصيص الدليل الثالث ( لا تكرم الفقراء الفسّاق ) للدليل الأوّل ( يجب إكرام الفقراء ) وإخراج الفسّاق منه ، لا يغيّر ظهور الدليل الأوّل في إكرام الفقراء العدول ويصيره أقوى من ظهور الدليل الثاني ( لا يجب إكرام الفقراء ) كي يقدّم عليه .
نعم ، يمكن أن يكون الدليل الأوّل أقوى من الدليل الثاني فيما لو فرض وروده من أوّل الأمر بلسان إكرام الفقراء العدول ، كما لو ورد بلسان ( أكرم الفقراء العدول ) ، لكن هذا خلاف الفرض وهو أن العامّ الأوّل ورد منذ البداية بلسان عامّ وهو ( إكرام الفقراء ) الشامل للفقراء العدول والفسّاق . وخروج الفقراء الفسّاق منه بسبب تخصيص الدليل الثالث ( لا تكرم الفقراء الفسّاق ) لا يستوجب أقوائية ظهوره ( ظهور العامّ الأوّل ) في الفقراء العدول من ظهور العامّ الثاني ( لا تكرم الفقراء ) كي يكون مخصّصاً له .
وهذا ما أشار إليه السيد الشهيد بقوله : ) الصحيح : أن الأخصّية التي هي ميزان القرينية بحسب المرتكز العقلائي إنما هي الأخصّية بلحاظ ذات المدلول لا بلحاظ المقدار المعتبر منه ، لأنّ النكتة النوعية الملحوظة عقلائياً في هذه القرينية بعد وضوح أن البناءات العقلائية في أمثال المقام ليست تعبّدية وإنما هي بنكات الطريقية والكاشفية ، هي أن الأخصّية توجب مرتبة من تركيز نظر
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 411
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص٤١١