إذ لا تتعارض الحجّة مع اللاحجّة .
المقدّمة الثانية : إن قاعدة الجمع العرفي تقتضي قرينية كلّ حجّة أخصّ على الحجّة الأعمّ .
بمعنى أن كبرى القرينية والجمع العرفي بين العامّ والخاصّ التي تقدّم الكلام عنها في بحث التعارض غير المستقرّ ، تقتضي قرينية الحجّة الأخصّ على الأعمّ .
بعد بيان هاتين المقدّمتين نقول : إن ظهور العامّ الأوّل وهو ( أكرم الفقراء ) ليس حجّة في العموم ، وإنما هو حجّة في خصوص الفقراء العدول ، لتخصيصه بالدليل الثالث وهو ( لاتكرم الفقراء الفسّاق ) . وعليه تكون المعارضة بين ظهور العامّ الأوّل في خصوص الفقراء العدول ، وبين ظهور العامّ الثاني وهو ( لا يجب إكرام الفقراء ) الشامل للفقراء العدول والفسّاق ، وحينئذٍ تكون النسبة بينهما نسبة الأخصّ المطلق إلى الأعمّ المطلق .
وهذا ما ذكره المحقّق النائيني ( قدس سره ) بقوله : ) إن ملاحظة النسبة بين الأدلّة إنّما هي لأجل تشخيص كونها متعارضة أو غير متعارضة ، وقد تقدّم : أن تعارض الأدلّة إنما هو لأجل حكايتها وكشفها عما لا يمكن جعله وتشريعه لتضادّ مؤدّياتها ، فالتعارض بين الأدلّة إنما يكون بمقدار كشفها وحكايتها عن المراد النفس الأمري . ومن الواضح : أن تخصيص العامّ يقتضي تضييق دائرة كشفه وحكايته ؛ فإن التخصيص يكشف لا محالة عن عدم كون عنوان العامّ تمام المراد ، بل المراد هو ما وراء الخاصّ ، لأنّ دليل الخاصّ لو لم يكشف عن ذلك يلزم لغوية التعبّد به وسقوطه عن الحجّية ، فلازم حجّية دليل المخصّص هو سقوط دليل العامّ عن الحجّية في تمام المدلول وقصر دائرة حجّيته بما عدا المخصّص ، وحينئذٍ لا معنى لجعل العامّ بعمومه طرف النسبة ، لأنّ النسبة إنما تلاحظ بين الحجتين ، فالذي يكون طرف النسبة هو الباقي تحت العامّ الذي
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 409
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص٤٠٩