الشرح
النقطة الثانية التي وقع الخلاف فيها بين الأصوليين هي انقلاب النسبة ، وهي من المسائل المهمّة في علم الأصول ، وتنبع أهمّيتها من كثرة الابتلاء والاحتياج إليها في حلّ التعارض القائم بين الأدلّة .
والمقصود من انقلاب النسبة يمكن بيانه بالمثال التالي ، وهو : لو فرض ورود دليلين عامّين متعارضين تعارضاً مستقرّاً ، أحدهما بلسان ( أكرم الفقراء ) والآخر يقول : ( لا تكرم الفقراء ) ، فمن الواضح أن النسبة بين هذين الدليلين هو التباين ، فتحصل المعارضة بينهما .
لكن إذا فرضنا ورود دليل ثالث يقول : ( لا تكرم العلماء الفسّاق ) فهذا الدليل الثالث يكون مخصّصاً للدليل الأوّل وهو ( أكرم الفقراء ) فيجب إكرام العلماء العدول ؛ لأنّ النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق ، وهذا مما لا إشكال ولا خلاف فيه .
وإنما وقع الإشكال والخلاف بين الأصوليين في أن مفاد النسبة بين الدليلين الأوّلين العامّين هل تلحظ بعد تخصيص العامّ الأوّل بالدليل الثالث أم أن النسبة قبل تخصيص العامّ الأوّل ؟
بعبارة أخرى : هل تلحظ النسبة بين الدليلين العامّين بالقياس إلى مدلولهما مع قطع النظر عمّا يرد على كلّ منهما من القرائن المنفصلة ، أم تلحظ النسبة بين الدليلين العامّين بعد إعمال القرائن المنفصلة التي ترد على أحدهما ؟
فإن لوحظت النسبة بين العامّين قبل إعمال القرائن المنفصلة ، أي قبل تخصيص العامّ الأوّل بالدليل الثالث ، فسوف تكون النسبة بين العامّين هي التباين ، ويكون التعارض بينهما تعارضاً مستقرّاً . أما إذا لوحظت النسبة بين
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 406
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص٤٠٦