مثال آخر : الدليل القطعي المتكفّل لحكم شرعي يكون وارداً على دليل رفع ما لا يعلمون - إذا اقتصرنا في الغاية على حاقّ اللفظ وهو العلم ولم نفسّره بالتنجّز وإلّا يكون مثالًا للقسم الثالث من أقسام الورود - فإنّ مجرّد وصول الحكم بالدليل القطعي يكون رافعاً لموضوع البراءة ، وكذلك حال الدليل القطعي بالنسبة إلى حرمة الإفتاء بغير علم .
القسم الثالث : أن يكون الدليل الوارد رافعاً لموضوع الحكم في الدليل المورود بامتثاله ، وليس بفعليته ووصوله ، بمعنى أن الدليل المورود مقيّد بعدم امتثال الدليل الوارد ، وهذا من قبيل دليل وجوب الصلاة الذي يزاحمه دليل وجوب إزالة النجاسة عن المسجد ، فإن دليل وجوب الصلاة التي هي واجب مهمّ مقيّد بعدم الاشتغال بامتثال إزالة النجاسة عن المسجد التي هي واجب أهمّ بالقياس إلى وجوب الصلاة ، فلو أن المكلّف اشتغل بإزالة النجاسة عن المسجد ، فلن يرتفع موضوع وجوب الصلاة ، كما تقدّم « 1 » .
مثال آخر : ما يقال في باب الزكاة من اشتراط عدم تنجّز حرمة التصرّف عليه في النصاب أثناء الحول ، فلو تنجّز عليه ذلك ارتفع موضوع الزكاة ، لأنّ موضوع الزكاة مقيّد بالتمكّن من التصرّف ، ومع تنجّز الحرمة لا يتمكّن من التصرّف .
) ومن هذا القسم أيضاً الواجبات التي يشترط فيها القدرة عقلًا وشرعاً ، بمعنى يرتفع بمجرّد تنجّز المنافي عليه ، من قبيل ما يذكر من أن وجوب الحجّ مشروط بعدم تنجّز واجب آخر يتنافى معه - وإن كان هذا الشرط موضعاً للبحث فقهيّاً - وما يقال من أن الوضوء يتوقّف على عدم تنجّز وجوب صرف الماء في وجه آخر ( « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر القسم الأوّل من الحلقة الثالثة .
( 2 ) بحوث في علم الأصول : ج 7 ، ص 52 .