ذلك هو أن أصالة البراءة تجري عن الوجوب التعييني للعتق ، دون أن تعارضها أصالة البراءة عن وجوب أحدهما ، لأنّه إن أُريد بإجراء البراءة عن وجوب أحدهما وهو الترخيص في ترك أحدهما مع الإتيان بالعتق ، فهو غير معقول ؛ لأنّ الآتي بالعتق قد أتى بأحدهما ، لأنّ نفي الأعمّ ( / عنوان أحدهما ) يتضمّن نفي الأخصّ وهو العتق ، وإن أُريد بإجراء البراءة عن أحدهما هو الترخيص في أحدهما في حقّ من لم يعتق - أي التأمين من ناحية ترك الأعمّ بما يتضمّنه ترك الأخصّ وهو العتق - فهو ممتنع ؛ لأنّه ترخيص في المخالفة القطعية ؛ ومعه فلا يجري أصل البراءة في الترخيص في المخالفة القطعية ، وهذا بخلاف جريانها في الطرف الأوّل وهو البراءة من العتق تعييناً ، لأنّه بجريانها تكون مخالفة احتمالية ، ولا محذور في إجراء البراءة تجاه المخالفة الاحتمالية .
والكلام في المقام كما تقدّم في المسألة السابقة من دوران الأمر بين إكرام زيد مطلقاً بأيّ نحو من أنحاء الإكرام ، وبين إطعامه خاصّة ، فقد تقدّم أن التغاير وإن كان ثابتاً بين المفهومين ( مفهوم الإكرام ومفهوم الإطعام ) فيكون الدوران فيهما بين متباينين ، لكن الصحيح جريان البراءة عن أخصّ العنوانين ( وجوب الإطعام ) ولا تعارضها البراءة عن العنوان الأعمّ ( وجوب الإكرام ) .
والدليل على ذلك : هو أن البراءة عن وجوب الأكثر ( وجوب الإطعام ) ليس لها دور معقول لكي تصلح للمعارضة ، مع الطرف الآخر وهو وجوب الأقلّ ( وجوب الإكرام كيفما اتفق ) لأنّه إن أُريد بإجراء البراءة التأمين بها عن الأعمّ ( الأكثر وهو الإكرام ) مع الإتيان بالأخصّ ( الأقلّ ، أي الإطعام ) فهو غير معقول ؛ لأنّه مع ترك الأعمّ وهو الإكرام لابدّ من ترك الأخصّ وهو الإطعام ؛ لأنّه لا يمكن الإتيان بالأخصّ عند ترك الأعمّ ، إذ إنّ نفي الأعمّ يتضمّن نفي الأخصّ ، وإن أُريد بإجراء البراءة التأمين في حالة ترك الأعمّ ( الإكرام ) بما يتضمّنه ترك الأخصّ ( الإطعام ) فهو غير ممكن أيضاً ، لأنّه
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 179
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص١٧٩