وسادّاً لطريقه فكيف يعقل أن يكون مغيّى به ومرتفعاً عند حصوله ، فإن جعل الحرمة لشيء المرتفعة باختيار المكلف فعله لغو محض ، فلا مناص من الالتزام بكون ما يختاره المكلف لرفع اضطراره محكوماً بالحلّية من أوّل الأمر ، ومعه لا يبقى مجال لدعوى العلم الإجمالي بالتكليف على كل تقدير ، فلا مانع من الرجوع إلى البراءة في الطرف الآخر ، فيما كان الاضطرار إلى غير المعين سابقاً على العلم الإجمالي بالتكليف ، كما هو الحال في الاضطرار إلى المعيّن . وبالجملة : إن الالتزام بسقوط التكليف واقعاً عما يختاره المكلف لرفع اضطراره لا يجتمع مع القول بالتنجّز في الطرف الآخر ، فلا بد من الالتزام بعدم السقوط واقعاً ، كما اخترناه ، أو بعدم التنجّز في الطرف الآخر كما اختاره صاحب الكفاية رحمه الله ) « 1 » .
وهناك محاولتان أخريان لتصحيح كون التخيير بينهما واقعياً .
المحاولة الأولى : ما ذكره السيد الشهيد من أن حرمة شرب كل من المائين في المثال على تقدير كونه حراماً في الواقع مشروطة بارتكاب الإناء الآخر لرفع الاضطرار به ، فالشرط هو ارتكاب الإناء الآخر ، ومنشأ هذا الاشتراط هو دليل الاضطرار ، وحيث إن الاضطرار إلى أحد طرفي العلم الإجمالي غير المعيّن ، فهو يقيّد إطلاق التكليف المعلوم بالإجمال في كلّ منهما باختيار الآخر لدفع الاضطرار به ، ولا يرد عليه ما أورده السيد الخوئي من أنه لا يعقل أن يكون التكليف مشروطاً في مرحلة الجعل بعدم اختيار مخالفته لأنه لغو ، فإنّ مراد المحقّق النائيني ليس ذلك بل مراده هو أن منشأ هذا التقييد دليل الاضطرار .
وهذا ما أشار إليه بقوله : ( الصحيح أن كلا الفرضين يقيّدان التنجيز ، كما لا يرد على الفرض الثاني ما ذكره السيد الأستاذ بعد تعديل القيد الذي جاء في كلام المحقّق النائيني للتكليف المتوسّط بأن يكون المقصود من عدم اختيار
هامش
( 1 ) مصباح الأصول : ج 2 ، ص 392 .