الموافقة القطعية ، بل إننا نقول إن العلم الإجمالي مقتضٍ لوجوب الموافقة القطعية ، والمقتضي يجوز ثبوته عند سقوط المعلول ، فالنار مثلًا يمكن أن تكون متحقّقة مع عدم تحقّق معلولها وهو الاحتراق ، وعليه فلا يلزم من عدم وجوب الموافقة القطعية - للاضطرار - جواز المخالفة القطعية .
وأمّا المقدّمة الثانية فهي : لو سلّمنا بأن العلم الإجمالي علّة لوجوب الموافقة القطعية ، إلا أنه لا تنافي بين ارتفاع وجوب الموافقة القطعية الناشئ من العجز والاضطرار وبين القول بعلّية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية ؛ وذلك لأن المقصود من علّية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية هو أن العلم الإجمالي يمنع الترخيص بواسطة الأصل المؤمّن في بعض أطراف العلم الإجمالي ، لأن موضوع الأصل المؤمّن هو عدم البيان ، ومع وجود العلم الإجمالي يكون البيان تامّاً ، ومع تمامية البيان لا يمكن الترخيص بواسطة الأصل المؤمّن ، فهذا هو المقصود من علّية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية ، وليس المقصود من علّية العلم الإجمالي المنع من الترخيص ولو مع وجود مؤمّن آخر كالاضطرار والعجز ونحوهما ، كما في المقام ، وعلى هذا فالمقدار الذي يمكن رفع اليد عن التكليف هو الاضطرار أو العجز ونحوهما ، وما عداه فهو باقٍ تحت التكليف فيكون منجّزاً .
إذن لا تنافي بين القول بعلّية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية وبين القول بحرمة المخالفة القطعية ، وهذا ما يطلق عليه في كلمات الأصوليين بالتوسط في التنجيز « ومردّه إلى وجوب الإتيان بأحدهما لتمكّن المكلّف منه ، سواء أكان موافقاً للواقع أم كان مخالفاً له ، غاية الأمر أن المكلّف في صورة المخالفة معذور ، وذلك كالصبيّ في أوّل بلوغه إذا دار أمره بين شيئين كالظهر والجمعة - مثلًا - ولا يتمكّن من الجمع بينهما ، ولا من التعلّم ، فعندئذ بطبيعة
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 201
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص٢٠١