وهذه النتيجة وإن كانت تلتقي مع نتيجة الوجه الأوّل وهو وجوب الموافقة القطعية ، لكن يوجد فرق بينهما ؛ إذ في الوجه الأوّل قالوا : إن وجوب الموافقة القطعية لأجل تقدّم دليل البيّنة على الأصل بالحكومة ، أمّا ما ذهب إليه المصنّف فالموافقة القطعية لأجل تقدّم الأمارة على الأصل بالأخصّية .
إن قلت : أليس دليل الأمارة حاكماً على الأصول ، فلماذا لا نقدّم الأمارة على أصالة الطهارة بالحكومة ، كما هو مبنى المشهور الذين قالوا إن حجّية الأمارة تعني أن الشارع جعلها علماً ، وإذا كانت علماً فهي ترفع موضوع الأصل وهو الشكّ ، وعليه فلا معنى لحلّ التعارض بين الأمارة والأصل بالأخصّية أو النصّية ونحو ذلك .
وقد أثار هذا الإشكال المحقّق العراقي حيث قال : « نعم ، قد يتوهّم حينئذ وقوع التنافي بين التعبّد بنجاسة أحد الكأسين بمقتضى البيّنة ، وبين التعبّد بطهارة كلّ من الكأسين بمقتضى الأصل الجاري فيهما ؛ بتقريب : أن مفاد البيّنة لما لا يكون إلا نجاسة أحد الكأسين بهذا العنوان الإجمالي ، فلا جرَم تجري أصالة الطهارة في كلّ واحد من الكأسين بعنوانهما التفصيلي ؛ لمكان تحقّق موضوعها وهو الشكّ الوجداني في كلّ واحد منهما وعدم ارتفاعه لا بالوجدان ولا بالتعبّد ، لاختلاف موضوع التعبّد بالبيّنة مع موضوع التعبّد بالطهارة في الأصلين .
ومع جريان أصالة الطهارة فيهما يقع التنافي بين التعبّد بالبيّنة بالنسبة إلى العنوان الإجمالي المعبَّر عنه بأحد الكأسين ، وبين التعبّد بكلّ من الأصلين في كلّ واحد من الكأسين ، ولا ترجيح في تقديم التعبّد بالبيّنة على التعبّد بالأصل الجاري في الطرفين .
ولا يقاس ذلك بالعلم الوجداني بنجاسة أحد الكأسين ، لأنّ العلم الإجمالي لمّا كان بنفسه كاشفاً تامّاً عن الواقع وحجّة على ثبوت التكليف في
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 124
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص١٢٤