البين غرابه ، إنّما الغرابة تظهر لو تحدّث جميع هؤلاء الرواة الكثيرين بمضمون واحد ؛ لأنّ الناس مختلفون في أفكارهم وطبائعهم ومصالحهم الشخصية ، وبالتالي فإنّ اجتماع دواعي الكذب لدى الرواة سيُضعف من قيمة احتمال كذب الجميع وبالتالي تقوية احتمال صدق الصدور .
من هنا سوف نبحث عن أقسام التواتر الثلاثة لنعرف أيَّ الأقسام يوجد فيه كلا المضعّفين ، وأيّها يكون فاقداً لأحدهما أو لكليهما ؟
التواتر الإجمالي
لو افترضنا أنّنا جئنا إلى كتاب الكافي ووضعنا يدنا على مائة رواية من رواياته ، واحدة في باب الصلاة وأخرى في باب الخمس ، وثالثة في باب الحجّ وهكذا إلى مائة رواية من أبواب مختلفة لا يوجد بينها أيّ جامع مشترك ، لا في المدلول المطابقي ، ولا في المدلول التضمّني ، ولا في المدلول الالتزامي ، وإنّما اشتراكها - فقط - أنّها أُخذت من كتاب الكافي ، فهل هذه الروايات كلّها كاذبة ؟ أم كلّها صحيحة ؟ أم بعضها كاذب ، والآخر صحيح ؟
اعتماداً على نظرية الاحتمال ، لا يمكننا القول أنّ جميع هذه الروايات صحيحة ؛ لأنّ وضع اليد على هذه الروايات كان بشكل عشوائي ، فمن البعيد جدّاً بحساب الاحتمال أنّنا من باب الصدفة وضعنا اليد على ما هو صحيح من أخبار الكافي . وكذلك من البعيد جدّاً أن تكون كلّ هذه الأخبار كاذبة ، لنفس الكلام . فيبقى الاحتمال الثالث وهو أنّ بعض تلك الروايات كان صحيحاً . من هنا وقع الكلام في أنّه هل يمكن إثبات إحدى هذه الروايات على سبيل العلم الإجمالي بحيث يسوغ لنا القول : إنا نعلم إجمالًا بصدور رواية واحدة على الأقل ، وبالتالي تترتّب على ذلك آثار العلم الإجمالي ؟
فقد يتبادر إلى الذهن : أنّه بحسب القواعد التي أسّسها الأستاذ الشهيد إذا رفعنا عدد الروايات فلعلّنا نصل إلى اليقين ؛ لأنّه كلّما ازداد الاحتمال المقابل ضعفاً