فما يمكن أن يقال في تعريف التواتر : هو إخبار جماعة بلغوا حدّاً من الكثرة يمتنع معهم - عادة - تواطؤهم على الكذب وصدورهم جميعاً على خطأ أو اشتباه أو خداع حواسّ ، ويحصل من نفس إخبارهم بالعلم .
وبالنسبة لقيد « عادة » المذكور في التعريف نقول : إنّ جميع الأمور تنقسم إلى ممكن ومحال ، والمحال على قسمين ، فتارة تكون الاستحالة ذاتية عقلية ، وأخرى تكون عادية عقلائية ، فمثلًا بالنسبة إلى « اجتماع النقيضين » يحكم العقل - بما هو عقل - باستحالته الذاتية ، ولا يكون هناك أيّ احتمال للخلاف ، أمّا بالنسبة إلى الصعود إلى سطح القمر من دون واسطة - مثلًا - فإنّ العقل وإن لم يحكم باستحالته وامتناعه في نفسه ، لكنّه يحكم باستحالته في نطاق العادة وحدودها ، والعقل - بما هو عقل مجرّداً عن ملاحظة العادة - لا ينفي احتمال الخلاف ، بل إنّ هذا الاحتمال سينتفي بملاحظة العادة وواقع الأمر .
وبالرجوع إلى تعريف التواتر نرى أنّ امتناع واستحالة التواطؤ على الكذب أو الخطأ والاشتباه وخداع الحواسّ ، إنّما هو نوع من أنواع الاستحالة العادية لا العقلية ، فإنّ العقل - بما هو هو - لا يمنع من احتمال تواطؤ الجميع على الكذب ، أو أن يكون جمع المخبرين مخطئين ، أو أن تجتمع دواعي الكذب أو الخطأ والاشتباه في جميع المخبرين وفي كلّ الطبقات ، إلّا أنّ ذلك بعيد وممتنع بحسب العادة والواقع .
إذاً فمستوى العلم الحاصل من التواتر هو العلم العادي ، والذي يمتلك صفات العلم الذاتي العقلي في الحجّية والكاشفية وقوّة الدفع إلى مؤدّاه ، ونفي احتمال الخلاف في حدود العادة . وإلى هذا أشار الوحيد البهبهاني في فوائده ، حيث قال : « إن العلم العادي مساوٍ للعقلي في المنع عن النقيض ، إلّا أنّه بملاحظة العادة ، وتجويزه للنقيض من حيث نفسه مع قطع النظر عن العادة . وأيّ عقل يجوّز أن يصير أرواث الحمير دفعة - كلّ واحد منها - آدمياً عالماً بجميع العلوم ،
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 310
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٣١٠