وليس بالإمكان تصحيحُ الاستدلالِ بالسيرة على الحجّية بأفضلَ مِن القول بأنّها تمسُّ الشارع ، لأنّها توجُب - - على أساس العادةِ - الجريَ على طبقها حتّى في نطاق الأغراضِ التشريعية لمولىً لم يساهمْ في تلك السيرة ، وتوحي - - ولو ارتكازاً وخطأً - بأنّ مؤدّاها موردُ الاتّفاق من الجميع ، وبذلك تُصبحُ مستدعيةً للردع على فرض عدمِ التوافق ، ويكونُ السكوتُ عندئذ كاشفاً عن الإمضاء .
وبهذا نعرفُ أنّ الشرطَ في الاستدلال بالسيرةِ العقلائيةِ على الحجّية بمعناها الأصوليِّ ( المنجّزيّةِ والمعذّريةِ ) أن تكونَ السيرةُ العقلائيةُ في مجال التطبيق قد افترضتْ ارتكازاً اتّفاقَ الشارعِ معَ غيره في الحجّية ، وجرَتْ في علاقتها مع الشارعِ على أساسِ هذا الافتراض ، أو أنْ تكونَ على الأقلِّ بنحوٍ يعرِّضُها لهذا الافتراضِ والجَرْي .
وهذا معنىً قد يثبتُ في السيرة العقلائية على العمل بالأماراتِ الظنّيةِ في المقام الأوّل أيضاً ، أي : في مجال الأغراضِ الشخصيةِ التكوينية ، فإنّها كثيراً ما تولِّدُ عادةً وذوقاً في السلوك يُعَرِّضُ المتشرِّعةَ بعقلائيَّتِهم إلى الجَرْيِ على طبقِ ذلكَ في الشرعياتِ أيضاً ، فلا يتوقّفُ إثباتُ الحجّيةِ بالسيرة على أن تكونَ السيرةُ جاريةً في
المقام الثاني ، ومنعقدةً على الحجّيةِ بالمعنَى الأصوليّ .
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 250
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٢٥٠