من العقلاء أنّ الشارع يستفيد ذلك .
وقد أشار الأستاذ الشهيد ( قدّس سرّه ) إلى ذلك بقوله : « وعلى هذا يعرف أنّ كشف السيرة العقلائية عن إمضاء الشارع ، إنّما هو بملاك دلالة السكوت عنها على الإمضاء لا بملاك أنّ الشارع سيّد العقلاء وطليعتهم . فما يصدق عليهم يصدق عليه ، كما يظهر من بعض الأصوليين ؛ وذلك لأنّ كونه كذلك ، بنفسه يوجب احتمال تميّزه عنهم في بعض المواقف ، وتخطئته لهم في غير ما يرجع إلى المدركات السليمة الفطرية لعقولهم كما واضح » « 1 » .
فالاستدلال على أنّ السيرة العقلائية حجّة ؛ لأنّ العقلاء هذا وضعهم والشارع سيّد العقلاء فهو يحكم بما حكم به العقلاء ، غير تامّ .
وإذا كانت السيرة تمسّ الشارع تصبح حينئذٍ مستدعية للردع ، ولو كان مسّ الشارع مبنيّاً على ارتكاز خاطئ وهو التجاوز من مورد السيرة إلى مورد أغراض تشريعية لمولى آخر . ويكون السكوت عندئذٍ كاشفاً عن الإمضاء ؛ بمعنى أنّه ليس مطلق السكوت كاشفاً عن الإمضاء ، بل السكوت الذي يمسّ غرض الشارع يكون كاشفاً عن الإمضاء .
وبهذا ظهر أنّه يشترط للاستدلال بالسيرة العقلائيّة على الحجّيّة بالمعنى الأصوليّ - أي : المنجّزيّة والمعذّريّة - أن تكون السيرة مرتكزة عند العقلاء ، وأنّ هذا الارتكاز يفترض - ولو خطأً واشتباهاً - أنّ الشارع قد اتّفق مع العقلاء ببنائهم هذا وأمضاه بمجرّد سكوته عن سيرتهم .
وهذا يتطلّب أن تكون السيرة مستحكمة عند العقلاء لا يشذّ عنها عاقل ، فإنّها إذا صارت بهذه الكيفيّة من الاستحكام والارتكاز فسوف تشكّل ضرراً على أحكام الشارع فيما إذا كان غير راضٍ عنها ، ويتوجّب الردع عنها والنهي
هامش
( 1 ) دروس في علم الأصول ، الحلقة الثانية ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 235 - 236 . .