تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
على الحكّام الآخرين ليعتبر سيرته بينه وبين مواليه ومأموريه حجّة على أولئك ويجب عليهم العمل على وفقها ، بل كلّ شارع وكلّ مولى وحاكم له مولويّة وسلطة على خصوص مواليه ومأموريه ولا علاقة له بغيره من الموالي والحكّام . وعليه فسيرة الآمرين العقلائيّين إنّما تثبت أنّ الآمرين قد اتّفقوا على جعل قول اللغوي حجّة ، إلّا أنّ اتّفاقهم هذا لا يلزم الشارع الأقدس ولا يجب عليه أن يسير وفقاً لآراء العقلاء ، بل هم أنفسهم لا يعتبرونه ملزماً باتّباع سيرتهم ؛ لأنّهم يؤمنون بأنّ كلّ شارع له الحريّة المطلقة في أن يجعل ما يشاء حجّة بينه وبين مأموريه ومواليه ولا يجب عليه الالتزام بسيرة الآخرين واتّباع آرائهم . ولذلك لا يكون سكوت المعصوم وعدم ردعه عن سيرة العقلاء هذه كاشفاً عن إمضائه ورضاه بها ؛ إذ لا يجب عليه الالتزام بها وهي ليست ملزمة له أصلًا لكي يتّخذ منها موقفاً إيجاباً أو سلباً ، بل لا يعنيه ذلك ؛ لأنّ كلّ شارع إنّما يحدّد العلاقة بينه وبين مأموريه هو نفسه لا غيره ، ولذلك لا يكون هناك ضرر من سيرتهم في حال عدم الردع عنها ، وإن كان الشارع الأقدس لا يقبلها ، بل عليه أن يبيّن ما جعله حجّة بينه وبين مأموريه بقطع النظر عن سيرة العقلاء . فكم فرق بين سيرة العقلاء بلحاظ الأحكام الواقعيّة وسيرتهم بلحاظ الأحكام الظاهرية ، فسيرتهم الأولى تفترض أنّ العقلاء قد اتّخذوا سلوكاً لو كان خطأ وغير مقبول لدى الشارع لكان مؤثّراً على أغراضه التشريعيّة ؛ لأنّ العقلاء اعتبروا أنّ الحيازة سبب للملكيّة ، وأنّ الرضا القلبي كافٍ لجواز التصرّف في ملك الغير . وهذا الأمر وغيره من الأحكام التشريعيّة التي لا بدّ أن يكون للشارع فيها حكم إن كان مطابقاً لغرضه فسكوته معتبر وصحيح عقلًا ، وإن كان مخالفاً له فيكون سكوته مع عدم قبوله لسيرتهم ناقضاً لغرضه ، وهو قبيح عقلًا . من هنا كان سكوت الشارع كاشفاً عن إمضائه لها . وأمّا السيرة بلحاظ الأحكام الظاهريّة التي تتعلّق بالأغراض التشريعيّة