تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
وهذا الارتكاز مع كونه خاطئاً ؛ لأنّ هذه السيرة مرتبطة بحاكم والشارع حاكم آخر ، فما يفترضه العقلاء من وجود الملازمة في الواقع بين حجّية الظواهر عند العقلاء وحجّيتها عند الشارع خاطئ وغير صحيح ، لكن مع ذلك نفترضه موجوداً في ذهن العقلاء ، ففي هذه الصورة لو لم يكن الشارع راضياً عنها لوجب عليه الردع عنها . فتحصّل : أنّه ليس كلّ سيرة عقلائية بمجرّد سكوت المعصوم عنها يستفاد الإمضاء منه ، بل لابدّ أن يكون في هذه السيرة العقلائية هذا الارتكاز الخاطئ ، وهو اقتضائها الجري حتّى في المجال الشرعي . فإذا كانت كذلك فحينئذٍ ينبغي للشارع لو لم يكن راضياً أن يردع عنها . من هنا نفهم أنّ الاستدلال بالسيرة يحتاج إلى دقّة كبيرة ؛ إذ لابدّ من الرجوع إلى ارتكازات العقلاء في ذلك الزمان لنرى هل هذا الارتكاز الخاطئ كان موجوداً ؟ ولا يكفي إثبات معاصرة السيرة العقلائية للمعصوم وسكوته عنها . بعبارة أشمل : إنّ سيرة العقلاء تشمل كلّ الناس سواء الآمرين والمأمورين لا خصوص الآمرين فقط ، وذلك بأن نفترض أنّ كلّ عاقل لو قدّر له أن يصبح حاكماً وآمراً فهو يتّخذ خبر الثقة وقول اللغوي حجّة بينه وبين مواليه ومأموريه ، وهذا يشمل الآمرين والمأمورين ؛ لأنّهم من العقلاء فتنطبق هذه القضيّة الشرطيّة بالفعل على الآمرين وبالقوّة على المأمورين ، ومن الواضح أنّ السيرة بهذه المعنى - وهي أنّ سيرة الآمرين انعقدت فعلًا أو سيرة العقلاء جميعاً فرضاً وتقديراً على العمل بقول اللغوي وخبر الثقة في نطاق الأحكام التشريعيّة الظاهريّة - لا تضرّ بالأحكام التشريعيّة للشارع الأقدس ولا تفوّت غرضه حتّى وإن لم يجعل خبر الثقة وقول اللغوي حجّة ومنجّزاً ومعذّراً ؛ وذلك لأنّ هذه السيرة المفروض أنّها سيرة بين كلّ آمر مع مأموريه بلحاظ أغراضه التشريعيّة لا بلحاظ الأغراض التشريعيّة للآخرين ؛ إذ لا مولويّة لهذا الشارع