ومن الواضح أنّه لا يمكن إثبات وجود ظهور ودلالة في الكلام بأحد هذه الأنحاء الثلاثة : أمّا الأوّل ؛ فلأنّه قد تقدّم أن أصحاب التقريبات السابقة حاولوا تطبيق كبرى مقدّمات الحكمة لاستفادة انحصار الجزاء بالشرط ، وقد عرفت عدم صحّة ذلك . فيكون هذا النحو من الاستدلال متعذّراً في محلّ كلامنا . وأمّا النحو الثاني فهو متعذّر أيضاً في محلّ كلامنا ؛ لأنّ المقدار المتيقّن دلالة الجملة الشرطية عليه لا يستلزم الانحصار . وكذا الحال بالنسبة إلى النحو الثالث من الاستدلال ؛ لأنّا لا نتكلّم عن دلالة الجملة الشرطية على المفهوم بلحاظ قرينة معيّنة لتكون الحيثية التعليلية قابلة للإدراك المباشر ، وإنّما نتكلّم بلحاظ دعوى كون الجملة موضوعة لما يُستفاد منه المفهوم . فلا يبقى إلّا دعوى الانصراف والوجدان العرفي والانسباق الذي لا نشكّ فيه ، « وهذا النحو هو المتعيّن سلوكه في المقام ، فنقول : إنّ المنسبق من الجملة الشرطية هو ثبوت المفهوم ، وذلك باعتبار أنّ المنصرف عرفاً من الربط المُستفاد من أداة الشرط إنّما هو النسبة التوقّفية ، ومعه يثبت المفهوم كما عرفت سابقاً » « 1 » .
وفي ضوء إثبات المفهوم بهذا النحو « أرى أنّه لابدّ في أمثال هذه المسائل من مباحث هذا العلم أن نغيّر من منهج البحث ، فبدلًا من أن يُفكَّر في صياغة البراهين العقلية والاستعانة بالقواعد الفلسفية التي هي أبعد ما تكون عن الفهم العرفي للاستدلال بها على إثبات معنى معيّن للكلام لابدّ وأن يُبحث عن تنسيق الوجدانات العرفية التي نحسّ ويحسّ بها كلّ إنسان عرفيّ ضمن نظرة موحّدة قابلة لتفسيرها جميعاً ، وفي المقام لنا عدّة وجدانات عرفية لابدّ من التفكير في تخريج نظري موحّد لها يمكن أن ينسّق على أساسه كلّ هذه الوجدانات » « 2 » . والكلام يقع في مقامين :
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول ، تمهيد في مباحث الدليل اللفظي : ج 6 ، ص 641 .
( 2 ) بحوث في علم الأصول ، مباحث الدليل اللفظي : ج 3 ، ص 170 . .