الثاني : في تصوير هذه المقدّمة
البيان هو في مقابل الإجمال والإهمال ، فتارة يتعلّق غرض المتكلّم بترك التفهيم ، فيقال عنه إنه في مقام الإجمال ، وأخرى يتعلّق غرضه في جهة معيّنة من كلامه ، فيبيّنها ويهمل الجهات الأخرى ، فيقال عنه إنه في مقام البيان لبعض الجهات والإهمال للأخرى . فحتى يكون المتكلّم في مقام البيان ، لابدّ أن يتعلّق غرضه بالتفهيم ويكون في مقام التعرض للجهة المنظور إليها في كلامه .
إذا اتضح هذا نقول : إنّ المتكلّم تارة يكون في مقام الإهمال والإجمال . وأخرى يكون في مقام البيان من جهة خاصّة والإهمال من جهة أخرى . وثالثة يكون في مقام البيان من جميع الجهات .
ففي الصورة الأولى ، وهي كون المتكلّم في مقام الإهمال والإجمال وليس بصدد بيان الخصوصيات : لا يصحّ التمسّك بإطلاق الكلام لنفي شرط أو قيد . فلو ورد خطاب لبيان أصل التشريع كقول المولى : يا أيها الذين آمنوا أقيموا الصلاة ، فلا يمكن القول بأن ( أقيموا الصلاة ) مطلق ، فإن شككنا في اشتراط طهارة لباس المصلي أو مكانه ، فلا يمكن أن نتمسّك بإطلاق الآية لنفي الشرطية ؛ لأن الآية ليست في مقام بيان شروط وقيود الصلاة المأمور بها كي يدلّ عدم ذكرها على إرادة الإطلاق ، بل الآية في مقام بيان أصل التشريع .
أما في الصورة الثانية : وهي كون المتكلّم في مقام الإهمال من جهة وفي مقام البيان من جهة أخرى ، ففي هذه الصورة يمكن التمسّك بالإطلاق من تلك الجهة التي يكون فيها المتكلّم في مقام البيان ، كما في قوله تعالى :
« فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ »
، فإن الآية واردة لبيان حلّية ما يصطاده الكلب المعلَّم وعدم توقّفه على الذبح ، وليست واردة لبيان طهارة محلّ عضّ الكلب أو نجاسته ، إذ إنّ المتكلّم غير ناظر إلى ذلك ، فكلامه من هذه الجهة يكون مهملًا ، فلذلك لو شككنا في اعتبار الإمساك من الحلقوم في تذكيته وعدم اعتباره فلا مانع من