قال السيد الشهيد : « ادّعت - مدرسة الشيخ الأنصاري - أنّ التنزيل بحسب الحقيقة لمؤدّى الأمارة منزلة المقطوع ؛ لأنّ المؤدّى إمّا حكم شرعي أو موضوع لحكم شرعي ، فيكون قابلًا للإسراء الشرعي » « 1 » .
إلَّا أن هذا الكلام يمكن أن يرد عليه أن الشارع إنّما يستطيع أن ينزّل شيئاً منزلة آخر إذا كانت دائرة المنزَّل عليه بيده ، بحيث يستطيع توسعتها وتضيقها ، من قبيل الصلاة التي هي مجعولة من قبل الشارع وله أن يوسّع دائرتها ويقول : الطواف بالبيت صلاة ، أو الربا الذي هو أيضاً مجعول للشارع وله أن يضيق دائرته ويقول : لا ربا بين الوالد وولده ، لأنّ حرمة الربا تابعة لجعله فله أن يضيّق دائرة الحرمة .
أما في مقامنا فإنّ القطع الطريقي ليس له أثر شرعي حتى يوسّعه المولى ويجعله على المنزَّل ، لأنّ المنجّزية والمعذّرية من أحكام العقل ، فإنّ العقل هو الذي يحكم بلزوم الإطاعة والامتثال في صورة القطع بالتكليف ، وبالمعذّرية في صورة القطع بعدمه مع مخالفته للواقع ، فهما من الآثار العقلية للقطع وليستا من الآثار الشرعية ، فحينئذٍ لا يمكن التنزيل ، ومع ذلك - عدم إمكان التنزيل - كيف تفي الأمارة بدور القطع الطريقي ؟ ! وكيف تقوم مقامه في التنجيز والتعذير ؟ !
فتحصّل : أنّ نظرية التنزيل لا تستطيع أن تجعل الأمارة قائمة مقام القطع الطريقي في المنجّزيّة والمعذّريّة .
النظرية الثانية : جعل الحكم المماثل
ذهب المحقّق الأصفهاني وآخرون إلى أنّ مفاد دليل الحجّية جعل حكم تكليفي على طبق مؤدّى الأمارة ، بمعنى أن الشارع عندما جعل الأمارة حجّة
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول ، مصدر سابق : ج 4 ، ص 78 .