الشرح
الإشكال الثاني : بعد التسليم بقيام الأمارة مقام القطع الطريقي ووفائها بدوره من الناحية العملية ، يمكن أن يستشكل على ذلك من ناحية نظرية وفي كيفية صياغة ذلك تشريعاً ، وكيف ينبغي أن يكون لسان الدليل الدالّ على اعتبار أمارة من الأمارات كي نستفيد منه قيام الأمارة مقام القطع الطريقي ؟
بعبارة أخرى : ما هي الصيغة التشريعية التي يعتمدها القائلون بالقاعدة العقلية الحاكمة بقبح العقاب بلا بيان - على إطلاقها - لإخراج مؤدّى الأمارة القائل بوجود التكليف عن القاعدة . فلو أخبر الثقة بخمرية سائل ما فلابدّ من رفع اليد عن القاعدة ، من هنا يطرح هذا التساؤل وهو : ماذا فعل خبر الثقة للقاعدة العقلية حتّى استطاع أن يخرج مؤدّاه منها ؟
للإجابة على هذا الاستشكال توجد عدّة نظريات ، أهمها :
النظرية الأولى : تنزيل الأمارة منزلة القطع
ذهب الشيح الأنصاري قدس سره وآخرون إلى أنّ دليل الأمارة ينزّلها منزلة القطع ، فكلّ آثار القطع من المنجّزية والمعذّرية تثبت للأمارة بدليل التنزيل المجعول في دليل حجّيتها ، نظير قول الشارع : الطواف بالبيت صلاة ، فهذا الدليل نزّل الطواف منزلة الصلاة ، وحيث إنّ الصلاة لا تصحّ إلّا بطهور ؛ لقول الشارع : لا صلاة إلا بطهور ، فالطواف كذلك لا يصحّ إلا بطهور .
فدليل حجّية الأمارة ينزِّل الأمارة منزلة العلم ، خصوصاً على مسلك الطريقيّة للميرزا قدس سره ؛ لأنّه مؤدّاه جعل الكشف الناقص كشفاً تامّاً ، والمفروض أنّ العلم التامّ إذا جاء يرتفع قبح العقاب ، فكذلك إذا جاء ما هو بمنزلته ، فيكون منجّزاً .