وأما الاستشكالُ الثاني فينشأُ من أنّ الذي ينساقُ إليه النظرُ ابتداءً : أن إقامةَ الأمارةِ مقامَ القطع الطريقيِّ في المنجّزيةِ والمعذّريةِ تحصلُ بعمليةِ تنزيلٍ لها منزلتَه ، من قبيل تنزيلِ الطوافِ منزلةَ الصلاةِ ، ومن هنا يُعترضُ عليه بأنّ التنزيلَ من الشارع إنّما يصحُّ فيما إذا كان للمنزَل عليه أثرٌ شرعيٌّ ، بيد المولى توسيعُه وجعلُه على المنزل ، كما في مثالِ الطوافِ والصلاةِ ، وفي المقام القطعُ الطريقيُّ ليس له أثرٌ شرعيٌّ بل عقليٌّ ، وهو حكمُ العقل بالمنجّزية والمعذّريةِ ، فكيف يمكنُ التنزيل ؟
وقد تخلّصَ بعضُ المحقّقينَ عن الاعتراضِ برفض فكرةِ التنزيل واستبدالِها بفكرةِ جعل الحكمِ التكليفيِّ على طبقِ المؤدّى ، فإذا دلَّ الخبرُ على وجوبِ ال سورةِ حكمَ الشارعُ بوجوبِها ظاهراً ، وبذلك يتنجّزُ الوجوبُ ، وهذا هو الذي يُطلقُ عليه مسلكُ جعل الحكم المماثل .
وتخلّصَ المحقّقُ النائيني بمسلكِ جعل الطريقيةِ قائلًا : إن إقامةَ الأمارةِ مقامَ القطع الطريقيِّ لا تتمثّلُ في عمليةِ تنزيلٍ لكي يردَ الاعتراضُ السابق ، بل في اعتبار الظنِّ علماً ، كما يُعتبرُ الرجلُ الشجاعُ أسداً على طريقةِ المجاز العقليِّ ، والمنجّزيةُ والمعذّريةُ ثابتتان عقلًا للقطعِ الجامعِ بينَ الوجودِ الحقيقيِّ والاعتباريِّ .
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 318
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٣١٨