الذي لم يبرز المولى اهتمامه بالأحكام الواقعيّة على فرض ثبوتها ، أمّا إذا أبرز اهتمامه بالحكم الواقعي فلا يحكم العقل بالتعذير . وبهذا يثبت عدم المنافاة بين جعل الحجّية للأمارة والقاعدة العقلية ، لأنّ هذه الأخيرة مختصّة من أول الأمر بحالة الشكّ ، فالخروج يكون تخصّصياً . وهذا يعني أنّ دائرة قاعدة قبح العقاب بلا بيان ضيّقة من أوّل الأمر ولا تشمل الموارد التي يهتمّ بها المولى على فرض ثبوتها في الواقع ، وحينئذٍ يرتفع الإشكال من أساس .
وهذا ما أفاده المصنّف قدس سره في البحوث ، حيث قال : « الصحيح في العلاج أن يقال : لو تنزلنا عن إنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان وسلّمنا بها فلابدّ وأن لا نسلّم بها على إطلاقها ، بل في قسم مخصوص من الأحكام ، وهو الحكم المشكوك الذي لا يعلم بأنه على تقدير ثبوته فالمولى لا يرضى بتفويته حتى من الشاك ؛ لمزيد اهتمامه به ، كما في مورد احتمال هلاك المولى نفسه مثلًا . وأما الحكم الشرعي المشكوك الذي يعلم في مورده بأنه على تقدير ثبوته ، فالمولى لا يرضى بتفويته . فالعقل لا يحكم بقبح العقاب ، بل يحكم بالعقاب على تقدير التفويت ، كما يشهد بذلك مراجعة حكم العقلاء في مورد المثال المذكور ، ودليل الحكم الظاهري المنجّز يكون بحسب الحقيقة دالًا على أنّ التكليف في مورده من هذا القسم ، فيرتفع موضوع القاعدة العقلية لا محالة » « 1 »
تبقى نقطة مهمّة ينبغي الإشارة إليها - ذكرها المصنّف في دراسات الخارج - وهي : تتعلّق بكيفية استظهار أن المولى بصدد الحفاظ على أغراضه الواقعية من خلال الأحكام الظاهرية ، حيث ذكر المصنّف قدس سره لذلك تقريبين :
الأول : التقريب العقلي بطريق الإن ، « وذلك بأن يدّعى كشف دليل
الحكم الظاهري الإلزامي عن اهتمام الشارع بالحكم الواقعي المشتبه في حال الاشتباه لكونه معلولًا عن هذه المرتبة من الاهتمام ، إلا أنّ هذا موقوف على أن
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول ، مصدر سابق : ج 4 ، ص 75 .