وبعبارة أخرى : إنّ الاحتمال - بناء على نظريّة حقّ الطاعة - منجّز ، ولكن ليس مطلق الاحتمال ، بل خصوص المركّب منه ، وهو الذي يقترن بإبراز شدة اهتمام المولى بالتكليف الواقعي المشكوك ، أمّا الاحتمال البسيط الذي لا يقترن بإبراز اهتمام المولى بالتكليف الواقعي فلا يكون منجّزاً .
في ضوء هذا التقسيم فإن القاعدة العقلية غير شاملة لحالة الشكّ الذي يقترن بالعلم بالغرض لو كان المشكوك ثابتاً واقعاً ؛ ضرورة أن المولى في مثل هذه الحالة لا يرضى بفوات غرضه حتى في حالة الشكّ به . نعم ، مع قطع المكلّف بعدم غرض ، فلا معنى للتحرّك نحوه حينئذٍ ، وعليه يكون القسم الآخر من الشكّ خارجاً عن موضوع القاعدة تخصّصاً .
فمثلًا : لو وضع المكلّف يده على إناء مشكوك الخمرية فإنّه يحتمل حرمة شربه ، فهل هذا الاحتمال للحكم الواقعي منجّز أو غير منجّز ؟
فإذا قال المولى : كلّ شيء لك طاهر حتى تعلم أنه نجس ، فالاحتمال يكون غير منجّز ، لأنّه على فرض ثبوت النجاسة والحرمة في الواقع ، فإنّ المولى لا يهتمّ بحفظه في الظاهر .
أما إذا قال المولى : احتط لدينك ، كان الاحتمال منجّزاً ؛ لأنّ هذا الاحتمال على فرض ثبوته في الواقع فإن المولى لا يرضى بارتكابه .
فتحصّل : أن ليس كلّ احتمال منجّزاً ، بل ذلك الاحتمال الذي على فرض ثبوته في الواقع لا يرضى المولى بتفويته حتّى من الشاكّ ، أمّا إذا لم يبرز المولى اهتمامه بذلك التكليف الواقعي ورضي بتفويته فلا يكون منجّزاً . والمبرز لأهمية الغرض الواقعي - على فرض الشكّ به - هو الحكم الظاهري ، فإن كان أصالة الطهارة فهذا يعني عدم اهتمام المولى به على فرض ثبوته في الواقع ، وإن
كان أصالة الاحتياط فهذا يعني اهتمام المولى به على فرض ثبوته في الواقع .
وقاعدة قبح العقاب بلا بيان على فرض التسليم بها إنّما تجري في المورد
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 309
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٣٠٩