وهذا البحث - كما هو واضح - مترتّب على البحث السابق ؛ إذ بعد ثبوت حجّية الأمارة في مدلولها المطابقي والالتزامي يصحّ السؤال أنّه إذا سقطت الدلالة المطابقية عن الحجّية - لسبب أو لآخر - فهل تسقط الدلالة الالتزامية أيضاً ؟ « 1 » .
وفي مقام تحقيق المسألة نقول : إنّ المدلول الالتزامي على قسمين :
الأول : المساوي للمدلول المطابقي : لو أخبر المخبر بشروق الشمس ، دلّ ذلك بالالتزام على وجود النهار ، فلو عُلِمَ بكذب الخبر وبطلان المدلول المطابقي له ، عُلِمَ ببطلان المدلول الالتزامي له أيضاً ، وهو أن النهار لم يطلع بَعدُ .
إذاً : في حالة مساواة المدلول الالتزامي للمطابقي ، يكون سقوط الأمارة عن الحجّية في مدلولها المطابقي مؤدّياً إلى سقوطها عن الحجّية في مدلولها الالتزامي أيضاً . وهذا لم يقع فيه بحث بين الأصوليّين .
الثاني : الأعم من المدلول المطابقي : وهو الذي يصدق في حقّه أنّه إذا وجد الملزوم وجد اللازم ، أمّا إذا فقد الملزوم فليس من الضروري أن يفقد اللازم لإمكان وجود علّة أخرى يترتّب عليها وجود اللازم .
لو أخبر مخبر بأنّ زيداً وقع في النار ، فلازم ذلك موته ؛ لأنّه بحسب القاعدة وعالم الطبيعة أن من يقع في النار يموت ، غير أننا نعلم أنّ سبب الموت لا ينحصر بوقوع الشخص في النار ، فقد يحصل بشرب السمّ أو بأيّ سبب آخر ، فيبقى اللازم وهو الموت محتمل الثبوت حتى مع عدم ثبوت المدلول المطابقي وهو الاحتراق بالنار . فقد يتحقّق المدلول الالتزامي للخبر ، وهو موت زيد بسبب شربه للسمّ مثلًا ، من دون أن يتحقّق المدلول المطابقي وهو
وقوعه في النار .
هامش
( 1 ) اتّفق الأعلام من الأصوليين على تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الوجود والتحقّق ، واختلفوا في تبعيّة المدلول الالتزامي للمطابقي في الحجّية ، التي هي محمول للمدلول المطابقي .