الأمر الثاني : الأمارة إنمّا تكون كاشفة عن الواقع مع قطع النظر عن التعبّد بها ، بخلاف الأصول العملية ، غايته أنّ كشفها ليس تامّاً كالعلم ، بل كشف ناقص يجامعه احتمال الخلاف ، فكلّ أمارة ظنية تشارك العلم من حيث الإحراز والكشف عما تحكي عنه ، والفرق بينهما إنّما يكون بالنقص والكمال ، فإن كاشفية العلم وإحرازه تامّ لا يجتمع معه احتمال الخلاف ، وأما كاشفية الأمارة وإحرازها فهو ناقص يجتمع معه احتمال الخلاف . فالأمارات الظنية تقتضي الكشف والإحراز بذاتها مع قطع النظر عن التعّبد بها ، وإنّما التعبّد يوجب تتميم كشفها وتكميل إحرازها بإلغاء احتمال الخلاف ، وأما أصل الكشف والإحراز الناقص : فليس ذلك بالتعبّد ، ولا يمكن إعطاء صفة الكاشفية والإحراز لما لا يكون فيه جهة كشف وإحراز ، فالكشف الناقص في الأمارة كالكشف التامّ في العلم ، لا يمكن أن تناله يد الجعل ، وإنّما الذي يمكن أن تناله يد الجعل هو تتميم الكشف بإلغاء احتمال الخلاف وعدم الاعتناء به .
الأمر الثالث : الأمارة إنّما يكون اعتبارها من حيث كشفها وحكايتها عما تؤدّي إليه ، بمعنى أن الشارع لاحظ جهة كشفها في مقام اعتبارها ، فإن ألغى الشارع جهة كشفها واعتبرها أصلًا عملياً فلا يترتّب عليها ما يترتّب على الأمارات ، بل يكون حكمها حكم الأصول العملية ، كما لا يبعد أن تكون قاعدة التجاوز وأصالة الصحّة - بل الاستصحاب في وجهٍ - من هذا القبيل ، فإن في هذه الأصول جهة الكاشفية والأمارية ، ولكن الشارع اعتبرها أصولًا عملية . . . . فبهذه الأمور الثلاثة تمتاز الأمارة عن الأصل موضوعاً .
وأما امتيازها عنه حكماً : فهو أن المجعول في الأمارات إنّما هو الجهة الثانية من الجهات الثلاث التي يقتضيها العلم الطريقي ، وهي : كونه صفة قائمة في
النفس ، وكونه كاشفاً وطريقاً إلى المعلوم ، وكونه محرّكاً عملًا نحو المتعلّق .
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 241
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٢٤١