فهذه الجهات الثلاث كلّها مجتمعة في العلم الطريقي ، والمجعول في باب الأمارات إنّما هو الجهة الثانية من هذه الجهات ، وفي باب الأصول العملية المحرزة إنّما هو الجهة الثالثة . . . .
فهذه الجهات الثلاث مترتّبة في الوجود ، بمعنى أن الجهة الأولى متقدّمة على الجهة الثانية رتبة ، والجهة الثانية متقدّمة على الجهة الثالثة كذلك .
نعم ، للعلم جهة رابعة وهي : كونه مقتضياً للتنجز عند المصادفة والمعذّرية عند المخالفة ، وهذه الجهة إنّما تكون في عرض اقتضائه الحركة والجري العملي ، فالجهة الثالثة والرابعة مما يقتضيهما العلم من الجهة الثانية ، وهي : الإحراز والكاشفية .
إذا تبين ذلك ، نقول : إن المجعول في باب الطرق والأمارات إنّما هو الطريقية والكاشفية والوسطية في الإثبات ، بمعنى : أن الشارع جعل الأمارة محرزة للمؤدّى وطريقاً إليه ومثبتة له ، بناء على ما هو التحقيق عند الميرزا : من أن الطريقية بنفسها تنالها يد الجعل كسائر الأحكام الوضعية ، بل الطريقية أيضاً كالملكية والزوجية من الأمور الاعتبارية العرفية التي أمضاها الشارع ، فإن الظاهر أنه ليس فيما بأيدينا من الطرق والأمارات ما يكون مخترعاً شرعياً ، بل جميع الطرق والأمارات مما يتعاطاها يد العرف في إثبات مقاصدهم ، كالأخذ بالظواهر والعمل بالخبر الواحد ونحو ذلك من الطرق والأمارات ، فهي عندهم محرزة للمؤدّى وكاشفة عنه وواسطة لإثبات مقاصدهم كالعلم ، والشارع قد أبقاها على حالها وأمضى ما عليه العرف ، فالأمارات تكون كالعلم من حيث الإحراز والكاشفية وإثبات المؤدّى ، وليس أخذ العقلاء بالأمارات لمجرّد تطبيق العمل على مؤدّياتها بلا توسط الإحراز ، فإنه ليس في بناء العقلاء تعبّد في مقام العمل ، فتطبيق عملهم على ذلك إنّما هو لكونها
محرزة للمؤدّى .
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 242
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٢٤٢