عنده كونُ مفادِ دليل حجيّتِها جعلَ الطريقيةِ والعلمية ، وضابطُ الأصل كونُ دليلِه خالياً من هذا المفادِ ، وعلى هذا الأساسِ أرادَ أن يفسِّرَ حجيةَ مثبتاتِ الأماراتِ بنفس النكتةِ التي تميّزُها عنده عن الأصول ، أي نكتةِ جعل الطريقية .
مع أننا عرفنا سابقاً أنّ هذا ليس هو جوهرَ الفرق بين الأماراتِ والأصول ، وإنّما هو فرقٌ في مقام الصياغةِ والإنشاء ، ويكونُ تعبيراً عن فرق جوهريٍّ أعمقَ ، وهو أنّ جعلَ الحكم الظاهريِّ على طبق الأمارةِ بملاكِ الأهميةِ الناشئةِ من قوّةِ الاحتمال ، وجعلَ الحكم الظاهريِّ على طبق الأصل بملاكِ الأهميةِ الناشئةِ مِن قوّةِ المحتمَل . فكلمّا جعلَ الشارعُ شيئاً حجّةً بملاكِ الأهمية الناشئةِ من قوّة الاحتمالِ كان أمارةً ، سواءٌ كان جعلُه حجّةً بلسانِ أنه علمٌ أو بلسانِ الأمرِ بالجريِ على وفقِه .
وإذا اتّضحتْ النكتةُ الحقيقيةُ التي تميِّزُ الأمارةَ ، أمكننا أن نستنتجَ أن مثبتاتِها ومدلولاتِها الالتزاميةِ حجّةٌ على القاعدةِ ، لأنّ ملاكَ الحجيةِ فيها حيثيةُ الكشفِ التكوينيِّ في الأمارةِ الموجبةِ لتعيين الأهميةِ وفقاً لها ، وهذه الحيثيةُ نسبتُها إلى المدلولِ المطابقيِّ والمداليل الالتزاميةِ نسبةٌ واحدةٌ ، فلا يمكنُ التفكيكُ بين المداليل في الحجيةِ ما دامت الحيثيةُ المذكورةُ هي تمامَ الملاكِ في جعل الحجيةِ كما هو معنى الأماريةِ ، وهذا يعني أنا كلما استظهرْنا الأماريةَ من دليل الحجيةِ ، كفى ذلك في البناءِ على حجّية مثبتاتِها بلا حاجةٍ إلى قرينةٍ خاصّة .
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 239
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٢٣٩