وقد فسَّرَ المحقّقُ النائينيُّ ذلكَ - على ما تبنّاهُ من مسلكِ جعلِ الطريقيةِ في الأمارات - بأنّ دليلَ الحجّيةِ يجعلُ الأمارةَ علماً فيترتّبُ على ذلك كلُّ آثارِ العلم ، ومن الواضِح أنّ من شؤونِ العلم بشيءٍ العلمَ بلوازمِه ، ولكنّ أدلّةَ الحجيةِ في بابِ الأصولِ ليس مفادُها إلا التعبّدَ بالجريِ العمليِّ على وفقِ الأصل ، فيتحدّدُ الجريُ بمقدار مؤدَّى الأصل ، ولا يشملُ الجريَ العمليَّ على طبق اللوازم إلا مع قيامِ قرينة .
واعترضَ السيدُ الأستاذُ على ذلك بأنّ دليلَ الحجّيةِ في باب الأماراتِ ، وإن كان يجعلُ الأمارةَ علماً ، ولكنّه علمٌ تعبّديٌّ جعليٌّ ، والعلمُ الجعليُّ يتقدّرُ بمقدار الجعلِ ، فدعوى أنّ العلمَ بالمؤدّى يستدعي العلمَ بلوازمِه ، إنّما تصدقُ على العلمِ الوجدانيِّ لا العلمِ الجعلي ، ومن هنا ذهبَ إلى أن الأصلَ في الأماراتِ أيضاً عدمُ حجيةِ مثبتاتِها ومدلولاتِها الالتزامية ، وأنّ مجرّدَ جعلِ شيءٍ حجّةً من بابِ الأماريةِ لا يكفي لإثباتِ حجّيتهِ في المدلولِ الالتزاميِّ .
والصحيحُ ما عليه المشهورُ من أن دليلَ الحجيةِ في باب الأماراتِ يقتضي حجيةَ الأمارةِ في مدلولاتِها الالتزاميةِ أيضاً ، ولكن ليس ذلك على أساسِ ما ذكرَهُ المحقّقُ النائينيُّ من تفسيرٍ ، فإنه فسَّر ذلك بنحوٍ يتناسبُ مع مبناه في التمييز بينَ الأماراتِ والأصول ، وقد مرَّ بنا سابقاً أنه قدّس اللهُ روحَه يميِّزُ بين الأماراتِ والأصول بنوعِ المجعول والمنشأِ في أدلّةِ حجّيتِها ، فضابطُ الأمارةِ
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 238
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص٢٣٨