متعارف في قطعه ، فسوف يحصل له علم إجمالي بأن بعض ما سيحدث لديه في المستقبل من القطوع النافية للتكليف ليست كلّها مطابقة للواقع وذلك لأجل كونه قطّاعاً ، وحيث إنّ هذا العلم الإجمالي منجّز ، اقتضى ذلك الاجتناب عن كلّ القطوع النافية للتكليف التي سوف تحدث لديه ؛ لعدم تمييز المخطئ منها من المصيب . فلو عمل بقطعه ولم يمتثل التكليف ، فلا يكون معذوراً ؛ لأنّه مخالف لوجوب الاجتناب والتحفّظ الذي أبرزه العلم الإجمالي الذي ثبتت حجّيته في ما تقدّم .
وقد يُعتَرض على هذا الوجه بأن يقال : صحيح أنّ القطّاع يوجد عنده علم إجمالي حدوثاً ويعلم بأن بعض ما سيحدث له من قطوع نافية سوف لا تكون مطابقة للواقع ، ولكن عند حصول تلك القطوع يرتفع ذلك العلم الإجمالي ، لأنّه لا يمكن أن يشكّ في قطعه وهو قاطع بالفعل . ونحن ندور مدار وجود العلم الإجمالي وعدمه ، فإن كان موجوداً فهو منجّز ، وإلا فلا ؛ لأنّه لا يعقل أن يكون التنجيز موجوداً وسببه غير موجود ، وهذا يعني معذّرية القطع الذاتي .
وجوابه : نحن عندما نقول إنّ القدرة شرط في صحّة توجّه التكليف ، فهل هي شرط حدوثاً وبقاء أم حدوثاً فقط ؟ فلو كان الإنسان واقفاً على السطح فهنا يستطيع المولى أن يوجّه إليه الخطاب قائلًا : لا ترمٍ بنفسك ؛ لأنّه قادر على امتثال التكليف ، ولكن إذا رمى بنفسه وكان في حالة السقوط ، فهنا لا يستطيع أن يقول له لا ترمِ بنفسك . من هنا إذا قلنا إنّ القدرة شرط حدوثاً وبقاء ، فلا قدرة له في صورة البقاء ، وحينئذٍ لا يمكن أن يتوجّه إليه خطاب : لا ترمِ ، فلا عقاب . أمّا إن قلنا : إنّ القدرة شرط حدوثاً لا بقاء ، وهذه القدرة زالت بسوء اختيار المكلّف فالعقاب باقٍ على حاله .
فيكفي في دخول التكليف في دائرة حقّ الطاعة كونه مقدوراً حدوثاً وإن
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 168
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص١٦٨