الوجه الثالث : التمسك بقاعدة الملازمة
استُدلّ على حرمة التجرّي بقاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ، والاستدلال بها يتوقّف على أمور ثلاثة :
1 - إثبات قبح التجرّي شرعاً .
2 - إثبات الملازمة بين إدراك العقل لقبح الشيء وبين حكم الشارع بحرمته .
3 - إثبات إمكان وصحّة تطبيق كبرى الملازمة في المقام ، فإنّ ثبوت الأمرين السابقين لا يعني بالضرورة صحّة الاستدلال بالقاعدة المذكورة في إثبات حرمة التجرّي شرعاً .
أما الأمر الأول : فقد تقدَّم الكلام فيه ، وثبت أن التجرّي قبيح عقلًا ، وبذلك تتحقّق صغرى الاستدلال .
أما الأمر الثاني : « فقد ذكر المحقّق الأصفهاني قدس سره بأنّ الملازمة بين ما حكم به العقل وحكم به الشرع بديهية واضحة ؛ باعتبار أنّ الشارع هو سيّد العقلاء ورئيسهم . فإذا حكم العقلاء بحكم بما هم عقلاء ، كان هو في طليعتهم وعلى رأسهم ، ومن هنا ذكر أنّ التعبير بالتلازم مسامحة ، والأصحّ هو التعبير بالتضمّن ؛ لاندراج الشارع في العقلاء وضمن بنائهم الذي هو مدرك هذه القضايا العملية .
وهذا الاستدلال مما لا يمكن المساعدة عليه ؛ لما تقدّم من أنّ الحسن والقبح أمران واقعيان ثابتان في لوح الواقع الذي هو أوسع من لوح الوجود ، وليسا أمرين تشريعيين ، وحكم العقلاء لا يراد به سوى إدراكهم لهذه القضايا النفس أمرية لا تشريعهم لها .
ثم لو فرض ذلك جرياً مع مشرب هؤلاء الحكماء فلا موجب لدعوى الملازمة بين حكمهم وحكم الشارع فضلَا عن التضمّن ؛ لأنّ حكمهم إنّما