وبهذا التحليل يتّضح بأن حكم العقل معلّق على عدم ورود الترخيص الجاد في ترك التحفّظ ، فيكون ذلك الترخيص - حينئذ - مسقطاً لحقّ الطاعة ، فلا منافاة بينهما . ففي مثل هذه الموارد التي يرخّص المولى فيها بإسقاط حقّه لا تكون مخالفته معصية . وبالتالي لا قبحَ في هذه المخالفة . فيكون موضوع حكم العقل بقبح المعصية معلّقاً على عدم ورود الترخيص الجاد ، فإذا لم يرد ترخيص جاد من المولى كان حكم العقل بذلك فعلياً ، وإلا ارتفع موضوع حكم العقل بالقبح ، فورود الترخيص يكون نافياً لحقّ الطاعة لا منافياً له .
وعلى هذا ، فالبحث ينبغي أن ينصبّ على أنّه هل يعقل ورود الترخيص الجادّ من قبل المولى في موارد العلم الإجمالي ، على نحو يتلاءم مع ثبوت الأحكام الواقعية ؟
والترخيص المتصوَّر في المقام له احتمالات ثلاثة :
الأول : أن يكون ترخيصاً بواسطة حكم واقعي حقيقي ، وهذا مستحيل ؛ لأنّه يتنافى مع التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال ، باعتبار أن المكلّف يعلم إجمالًا بوجوب صلاة عليه في يوم الجمعة ، فإن كان علمه موافقاً للواقع لزم التناقض واقعاً ، وإن كان مخالفاً للواقع لزم التناقض اعتقاداً وبنظر القاطع ، وكلاهما مستحيل .
الثاني : أن يكون ترخيصاً ظاهرياً طريقياً أُخذ الشكّ في موضوعه ، وهذا مستحيل أيضاً ؛ لأنّ العلم المتعلّق بالجامع تفصيليٌّ ولا شكَّ فيه ، فلا موضوع - حينئذٍ - للترخيص الظاهري ، فلا يرى العالِم إجمالًا أن هذا الترخيص موجَّهٌ إليه .
الثالث : أن يكون ترخيصاً يحمل روح الحكم الظاهري ويعيِّن ما هو الأهمّ من الملاكات الواقعية في مرحلة التزاحم الحفظي الناشئ من الالتباس والاشتباه ، وعدم تمييز المكلّف المباحات الواقعية عن التكاليف الإلزامية
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 107
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص١٠٧