وهذا المحذور إنما ينشأ من اجراء الأصل في كلٍّ من الطرفين مطلقاً ، اي : سواء ارتكب المكلف الطرف الآخر أو اجتنبه ، وإذا ألغينا إطلاق الأصل في كل منهما لحالة ارتكاب الآخر « 1 » ، انتج اثبات ترخيصين مشروطين ، وكل منهما منوط بترك الآخر ، ومثل هذا لا يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية ، ويعني ذلك : أنَّ المحذور يندفع برفع اليد عن اطلاق الأصل في كل طرف ، ولا يتوقف دفعه على إلغاء الأصل رأساً ، ولا شكَّ في أنَّ رفع اليد عن شيء من مُفاد الدليل لا يجوز إلّا لضرورة ، والضرورة تقدّر بقدرها ، فلماذا لا نجري الأصل في كلٍّ من الطرفين ولكن مقيَّداً بترك الآخر « 2 » ؟
وقد أُجيب [ عن ] هذا الاعتراض بوجوه :
الأول : ما ذكره السيد الأستاذ « 3 » من أنَّ الجمع بين الترخيصين المشروطين المذكورين وإنْ كان لا يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية ، ولكنه يؤدّي إلى الترخيص القطعي في المخالفة الواقعية « 4 » ، وذلك فيما إذا ترك الطرفين معاً « 5 » ، وهو مستحيل « 6 » .
هامش
( 1 ) . أي : قيّدنا جريان الأصل في كل منهما بعدم جريانه في الآخر .
( 2 ) . فالعراقي يقول : أنا منعتُ جريان البراءة في بعض الأطراف لمحذور ثبوتي ، وأنتم منعتم ذلك لمحذور إثباتي ، وهذا المحذور يمكن دفعه بالتقييد المذكور .
( 3 ) . دراسات في علم الأصول 3 / 361 .
( 4 ) . أي : أنَّ الترخيص المشروط وان كان لا يؤدّي إلى تحقق المخالفة القطعيّة خارجاً ، لكنه يؤدّي إلى الترخيص القطعي فيها .
( 5 ) . إذ مع ترك كل طرف ، يكون ارتكاب الطرف الآخر جائزاً .
( 6 ) . أي : أنَّ نفس الترخيص القطعي في ارتكاب المحرم الواقعي ، قبيح يستحيل صدوره من المولى ، وان لم يؤدِّ إلى ارتكاب المحرم خارجاً .