من العلم التفصيلي ، والعلم التفصيلي نفسه يُعقل الترخيص في المخالفة الاحتمالية لمعلومه ، كما في قاعدتي الفراغ واالتجاوز ، وهذا يعني عدم كونه علة لوجوب الموافقة القطعية ، فكذلك العلم الاجمالي .
وأجاب المحقق العراقي « 1 » على هذا الاعتراض بأنَّ قاعدة الفراغ وأمثالها ليست ترخيصاً في ترك الموافقة القطعية ، لتكون منافية لافتراض علِّية العلم لوجوبها ، بل هي إحراز تعبدي للموافقة ، أي : موافقة قطعية تعبدية « 2 » ، وافتراض العلّية يعني علِّية العلم الاجمالي لوجوب الموافقة القطعية وجداناً أو تعبداً .
وبهذا يظهر الفرق بين إجراء قاعدة الفراغ وإجراء إصالة البراءة في أحد طرفي العلم الاجمالي ؛ فان الأول لا ينافي العلية ، بخلاف الثاني « 3 » .
والتحقيق : أنَّ قاعدة الفراغ وأصالة البراءة وإنْ كانتا مختلفتين في لسانيهما ، إلّا أنَّ هذا مجرد اختلاف في اللسان والصياغة ، وأمّا واقعهما وروحهما فواحد ؛ لأنَّ كلا منهما نتيجة لتقديم الاغراض الترخيصية على الاغراض اللزومية عند الاختلاط في مقام الحفظ ، غير أنَّ هذا التقديم تارة يكون بلسان الترخيص ، وأخرى بلسان الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية وافتراضها موافقة كاملة ، فلا معنى للقول بأنَّ أحَدَ اللسانين ممتنع دون الآخر « 4 » .
هامش
( 1 ) . نهاية الافكار ، القسم الثاني من الجزء الثالث : 309 - 310 .
( 2 ) . فالعلم يقول : تجب الموافقة القطعية وتحصيل الواقع ، وقاعدة الفراغ تقول : أُعبّدُكَ بأنَّ هذا هو الواقع .
( 3 ) . لأنَّ قاعدة الفراغ تجري في مرحلة الامتثال ومعناها الاحراز التعبدي للموافقة ، بينما أصالة البراءة تجري في مرحلة ثبوت أصل التكليف وتقوم بنفيه .
( 4 ) . والحاصل : أن روح قاعدة الفراغ وأصالة البراءة واحد ، وهو تقديم الغرض الترخيصي على الالزامي ، فان امتنع هذا التقديم فهو ممتنع في كليهما ، وإن أمكن فكذلك .