وأما النقطة الثالثة : فتوضيح الحال فيها : أنَّ الجزء الذي يراد إجراء الاستصحاب فيه ، تارة يكون معلوم الثبوت سابقاً ، ويشك في بقائه إلى حين إجراء الاستصحاب « 1 » ، وأُخرى يكون معلوم الثبوت سابقاً ، ويعلم بارتفاعه فعلا ، ولكن يُشك في بقائه في فترة سابقة هي فترة تواجد الجزء الآخر من الموضوع ، ومثاله الحكم بانفعال الماء ؛ فإنَّ موضوعه مركّب من ملاقاة النجس للماء ، وعدم كُرِّيته ، فنفترض أنَّ الماء كان مسبوقاً بعدم الكرية ، ويُعلم الآن بتبدُّل هذا العدم وصيرورته كُراً ، ولكن يُحتمل بقاءُ عدم الكرية في فترة سابقة ، هي فترة حصول ملاقاة النجس لذلك الماء « 2 » .
ففي الحالة الأولى ، لا شكَّ في توفر اليقين بالحدوث والشك في البقاء ، فيجري الاستصحاب « 3 » .
وأمّا في الحالة الثانية ، فقد يستشكل في جريان الاستصحاب في الجزء « 4 » ؛ بدعوى عدم توفر الركن الثاني وهو الشك في البقاء ؛ لأنّه معلوم الارتفاع فعلا بحسب الفرض ، فكيف يجري استصحابه « 5 » ؟
وقد اتجه المحققون في دفع هذا الاستشكال إلى التمييز بين الزمان في نفسه « 6 » ، والزمان النسبي ، أي : زمان الجزء الآخر « 7 » ، فيقال : إنَّ الجزء المراد
هامش
( 1 ) . كأن يشك في بقاء الماء على عدمِ الكريّة إلى حين ملاقاة النجاسة .
( 2 ) . أي : يحتمل أنَّ تحوله إلى الكريّة قد حصل بعد الملاقاة ، فهو الآن نجس ، ويحتمل حصوله قبل الملاقاة ، فهو الآن طاهر .
( 3 ) . أي : استصحاب بقائه على عدم الكرية إلى حين الملاقاة ، فيحكم بنجاسته .
( 4 ) . وهو عدم الكرية في المثال .
( 5 ) . أي : أنَّ المفروض ارتفاع عدم الكريّة ، وأن الماءَ أصبح كراً جزماً ، فكيف يستصحب بقاء عدم كريّته ؟
( 6 ) . أي : الذي لم يلحظ بالقياس إلى زمن الملاقاة .
( 7 ) . أي : زمان الملاقاة .