تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف ) — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
فجلس بين يديه حتى ضجر ، فرفع طرفه إلى السماء وقال : الهى لكل حق حقيقة ، ولكل خلق طريقه ، ولكل عهد وثيقة ، ثم قال : يا شبلي ، من اخذه مولاه عن نفسه ، ثم أوصله إلى بساط انسه ، كيف تراه ! فقال الشبلي : وكيف ذاك ؟ قال : يأخذه عن نفسه ثم يرده على قلبه ، فهو عن نفسه مأخوذ ، وعن قلبه مردود ، فأخذه عن نفسه تعذيب ، ورده إلى قلبه تقريب ، وطوبى لنفس كانت له طائعة ، وشموس الحقيقة في قلوبها طالعه ، ثم انشد :
طلعت شمس من أحبك ليلا * فاستضاءت فما لها من غروب ان شمس النهار تطلع بالليل * وشمس القلوب ليس تغيب
ويذكرون انه سمى الحلاج ، لأنه اطلع على سر القلوب ، وكان يخرج لب الكلام ، كما يخرج الحلاج لب القطن ، بالحلج . وقيل : كان يفعل بواسط بدكان حلاج ، فمضى الحلاج في حاجه ورجع فوجد القطن محلوجا مع كثرته ، فسماه الحلاج . وفي الصوفية من يقبله ، ويقول : انه كان يعرف اسم الله الأعظم ومنهم من يرده ، ويقول : كان مموها . ويذكرون ان الشبلي انفذ اليه بفاطمه النيسابوريه ، وقد قطعت يده ، فقال لها : قولي له : ان الله ائتمنك على سر من اسراره ، فاذعته ، فاذاقك حر الحديد ، فان أجابك فاحفظى جوابه ، ثم سليه عن التصوف ، ما هو ؟ فلما جاءت أنشأ يقول :
تجاسرت فكاشفتك لما غلب الصبر * وما أحسن في مثلك ان ينهتك الستر وان عنفنى الناس * ففي وجهك لي عذر كان البدر محتاج * إلى وجهك يا بدر
وهذا الشعر للحسين بن الضحاك الخليع الباهلي . ثم قال لها : امضى إلى أبى بكر وقولي له : يا شبلي ، والله ما اذعت له سرا . فقالت له : ما التصوف ؟ فقال : ما انا فيه ، والله ما فرقت بين نعمه وبلواه ساعة