رفض الوسطاء بين اللَّه والإنسان ، هؤلاء الوسطاء الذين أفتعلتهم المذاهب ، فتعلّم السورة البشر أن يرتبط باللَّه بدونما واسطة وتبلور هذا الارتباط الوثيق بين اللَّه والإنسان وبين الخالق والمخلوق دونما واسطة ، وإن كان نبيّاً مرسلًا أو ملَكاً مقرّباً ، ومن ثمّ صار لهذه السورة الصدارة في الكتاب العزيز ، وهذا المضمون يحرّر الإنسان عن أيّ موجود من الموجودات ويربطه باللَّه وحده .
ولو تحرّك الإنسان في دائرة استنطاق الأسباب إنّما يتحرّك بدائرة أمر اللَّه تعالى وهو مسبّب الأسباب .
والصحيح : أنّ العبادة للَّهتعالى هي على أنماط بقدر ما للعبادة من معاني ، فمنها الطاعة والخضوع والانقياد والتذلّل والتأليه والتوجّه وغيرها ، وهذه الأنماط منها ما قد فصّله الباري في كتابه ، فجعل من بنود طاعته طاعة رسوله ، فإنّ اقتران طاعة اللَّه مع طاعة الرسول في موارد كثيرة عديدة للتأكيد على أنّ طاعة اللَّه لا تنفكّ ، بمعنى أنّ طاعة اللَّه لا يمكن أن يتفرّد بها عبد من دون أن تقترن بطاعة الرسول صلى الله عليه وآله ، فجعل اللَّه تعالى طاعة رسوله طاعة له ، فقال :
( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ )
« 1 » .
ولذلك جعل طاعة اولي الأمر مقرونة بطاعة الرسول وطاعته تعالى ، فقال :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )
« 2 » ) ، فلا تتمّ طاعة اللَّه تعالى إلّاباستكمال طاعة رسوله وأولي الأمر .
فتوحيده تعالى بالطاعة وهي نمط من العبادة لا يتمّ إلّابطاعة من نصبهم اللَّه سفراء بينه وبين خلقه ، بل لو تمرّد عاصٍ على طاعة الرسول وأولي الأمر من أهل بيته ، لمّا وحّد اللَّه في الطاعة ولا كان موحّداً للَّهفي هذا النمط من العبادة ، وكذلك
هامش
( 1 ) النساء 4 : 80 .
( 2 ) النساء 4 : 59 .