التجريديّ ، فإنّه أبعد عن انس الفطرة والفها .
الرابعة : إنّ في التذكير موازنة بين قوى النفس والحيلولة بين طغيان بعضها على البعض الآخر ، وهو شاكلة الفطرة في أصل الخلقة ، وهذا بخلاف المناهج النظريّة ، فإنّها توجب الإفراط في التركيز على قوّة الفكر أو بعض القوّة الإدراكيّة ممّا يتسبّب التغافل عن بقيّة القوى وعدم إحكام السيطرة أو الموازنة بينها وبين بقيّة القوى ، من ثمّ يُمزج في الخطاب القرآنيّ بين الجانب التعليميّ والتربويّ ، كما في قوله تعالى :
( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ )
« 1 » .
فجمع بين التلاوة والتزكية والتعليم ، والتلاوة هي التعليم الابتدائي .
وكذا في قوله تعالى :
( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )
« 2 » ) ، فجمع بين الخطاب بالحكمة والوعظ الحسن الذي هو ترويض وتهذيب للقوى العمليّة في النفس ، بل للقوى الإدراكيّة أيضاً ، وهذا ما يفتقد بوضوح في خطاب المدارس البشريّة الأخرى .
وقد مرّ الصلة بين إقامة الصلاة وحصول الذكر والتذكّر ، حيث أنّ في إقامة الصلاة ترويض للقوى النفسانيّة والغرائز عن الجموح والطغيان ، والذي يسبّب انطماس الفطرة ودفنها تحت ركام الهيئات الرذيلة ، فيستعصي على الإنسان إدراك الحقائق والحقيقة لعجزه عن التذكّر ، وهذا رباط خطير تشير إليه الآيات القرآنيّة في ضعف وقصور إدراك كلّ إنسان بسبب الهيئات الرديّة الظلمانيّة التي تنتقش في النفس ، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى :
( وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ
هامش
( 1 ) الجمعة 62 : 2 .
( 2 ) النحل 16 : 125 .