فطرة الإنسان إلّابذكر مبدأ الوجود ومنبعه ومصدر الواقعيّة ، فإذا جهل أكبر حقيقة وواقعيّة ، ينجرّ ذلك إلى جهل جملة من جمود الفطرة ، كما يشير إليه قوله تعالى :
( نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ )
« 1 » .
وينبّه على ذلك ما ذكر في الأبحاث العقليّة من براهين الصدّيقين على وجوده تعالى انطلاقاً من التسليم بأصل الواقعيّة ، وأنّ ذلك عين التسليم بالواقعيّة الأزليّة الأبديّة السرمديّة ، إذ كلّ واقعيّة لا بدّ أن تستند إليها ، وإلّا لفقدت واقعيّتها .
فالركون إلى أيّ واقعيّة ما ، ينطوي على الركون إلى الواقعيّة الأزليّة ، وقد ذكروا ذلك بصياغات وتقارير عديدة رشيقة فائقة لا تحتاج إلى مقدّمات نظريّة ، بل تستند إلى أبده البديهيّات .
وعلى ضوء ذلك فتكون البيانات الوحيانيّة الواردة في التوحيد وشؤون الالوهيّة ما هي إلّاتذكير بهذه البديهيّة على الإطلاق ، والظريف اللطيف في هذه البراهين أنّها تبيّن أنّ أوّل التصوّرات كما أنّ أوّل التصديقات هو الباري تعالى ، لا ما قيل من أنّ أوّل التصوّرات مطلق الوجود أو الوجود المطلق ، وأنّ أوّل التصديقات بطلان التناقض ، وذلك لأنّ مطلق الوجود أو الوجود المطلق ينطوي فيه تصوّر الوجود الأزليّ ، وأمّا اجتماع النقيضين فيفترض فيهما التقييد في الوجود والعدم ، والتقييد في كلا الطرفين يستند إلى الإطلاق في الواقعيّة ، فتكون الواقعيّة المطلقة سابقة عليهما .
أو لك أن تقول : إنّ صدق بطلان اجتماع النقيضين كقضيّة صادقة في الأزل أن تستند إلى واقعيّة أزليّة مطلقة ، فهيمنة تلك الواقعيّة المطلقة وإحاطتها وقيوميّتها
هامش
( 1 ) الحشر 59 : 19 .