ويقف ابن سينا المقالات الثمانية الأولى على علم الحيوان المقارن ، ويضيف إليها المقالة
السابعة عشرة ، فيعرض لاختلاف الحيوانات من حيث المأوى والمطعم ، والأعضاء
الظاهرة والباطنة ، والتناسل والإنتاج ، والطبائع والخصال . ويعوّل في ذلك كله تعويلا
كبيرا على كتاب « طبائع الحيوان » لأرسطو ، ولا يكاد يضيف إليه إلا ملاحظات فرعية
أشرنا إلى بعضها من قبل ، وهي في أغلبها تؤيد ما ذهب إليه المعلم الأول ، أو تحدده
وتوضحه ، وقد تقترح شيئا من التعديل ، وتبيّن الفرق بين حيوانات المشرق والمغرب .
ولطبائع الحيوان وخصاله ذكر متصل في الأدب العربي ، إلا أن ابن سينا عوّل فيها
خاصة على ما قاله أرسطو ، ووقع في أخطائه نفسها ، فعزا مثلا الرئاسة في فصيلة النحل
إلى الملك لا إلى الملكة « 1 » .
أما التشريح فقد توسع فيه كثيرا ، وزاد على أرسطو زيادة واضحة . ودار حديثه
كله تقريبا حول الإنسان ، ولا يعرض لتشريح الحيوان إلا قليلا . ولا غرابة فهو طبيب
ألمّ بالدراسات الطبية السابقة ، وغذّاها بتجاربه الخاصة . وقد رسم لوحة شبه تامة ودقيقة
للهيكل العظمى للإنسان ، بادئا بالرأس ، أو بالدماغ كما يسميه ، منتقلا إلى القفص الصدري
والعمود الفقرى والحوض والعجز ، ومنتهيا بالفخذين والساقين والقدمين . وأدرك
ما للعضلات من شأن في حركة الإنسان ، وتتبعها عضلة عضلة ، وأشار إلى العضلة التي كشفها
جالينوس « 2 » . وشرّح المخ والجهاز العصبى تشريحا تاما ، وربطهما بالحواس ووسائل
الإدراك . وعرض للقلب ، فشرّحه وبين ما تفرع منه من أوردة وشرايين منتشرة
في الجسم جميعه . ولم يفته أن يتحدث عن الأنسجة والأمزجة والأخلاط ، وفصّل القول
في الدم ، والمخ ، والنخاع ، وقارب بهذا كل المقاربة بين الطب وعلم الحيوان . ووقف على
ذلك كله ثلاث مقالات هي أطول مقالات الكتاب ، وهي الثانية عشرة ، والثالثة عشرة ،
والرابعة عشرة ، وقد أخذ في هذا ما أخذ عن كتابي « طبائع الحيوان » ، « وأعضاء الحيوان »
لأرسطو ، ولكنه عوّل بوجه خاص على طبه وتجاربه الشخصية ، وأفاد كثيرا من بحوث
جالينوس في التشريح . ولجالينوس شأن كبير في العالم العربي ، عنى به العرب بين الأطباء
عنايتهم بأرسطو بين الفلاسفة ، وساروا على نهج مدرسة الإسكندرية ، وهو على رأس
علماء التشريح بين اليونان .
ولم تكن عناية ابن سينا بوظائف الأعضاء أقل من عنايته بالتشريح ، يرى فيها بيانا
هامش
( 1 ) المصدر السابق ، ص 132 .
( 2 ) المصدر السابق ، ص 360 .