تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشفاء ( الطبيعيات ) — صفحة مقدمة 21

مساهمون:

صمقدمة ٢١
انتهى منه إلى أن التناسل من صنع الذكر والأنثى ، وأن منيهما معا مولّد ، ولا يمكن أن يتم التوليد عن طريق أحدهما دون الآخر « 1 » . ويظهر أن لفكرة الصورة والمادة شأنا في هذا الموضوع ، فالذكر إنما يمنح الصورة فقط ، والصورة في المذهب الأرسطي فرض لا يكاد يعبر عن شئ واقعي ، في حين أن الأنثى تقدم المادة وهي محسوسة ملموسة . ومما يلفت النظر في هذا الحوار أن ابن سينا يشير إلى الحيوانات المنوية وإن لم يسلّم بها ، وهذه إشارة ولا شك مبكرة جدا بالنسبة لعصرها ، ولو توافرت له أجهزتنا الحديثة لتأكد منها واستطاع إثباتها « 2 » . هذه نماذج من كتاب الحيوان لابن سينا ، وهي ترمز لمادته الوفيرة ، وتعبر عن مدى التقدم العلمي في عصره ، وتؤذن بأن العرب انتهوا في أوائل القرن الخامس الهجري إلى لغة علمية مستقرة لها دوّالها ومصطلحاتها . وما أشبه هذه المصطلحات بما نستعمله اليوم ، وما أحوجنا أن نعرفها على وجهها . وكثيرا ما استوقف اللفظ اليوناني ابن سينا ، وحاول أن يكشف عن مقابله العربي الصحيح « 3 » . وإن عز عليه ذلك لم ير غضاضة في الاحتفاظ بالأصل اليوناني ، وقد لا يكون بين كتبه ما تواردت فيه الألفاظ اليونانية مثل هذا الكتاب ، ذلك لأنه يشتمل على أسماء فصائل من الحيوانات والطيور التي لم تعرف في الجزيرة العربية . وفي هذا ما ألقى عبئا غير يسير على السادة المحققين ، لا سيما وقد خلّط المترجمون في تعريبهم أحيانا . ولقد سبق لنا أن أشرنا إلى أن ابن سينا الطبيب والعالم لم يدرس بعد الدرس الكافي ، كما درس ابن سينا الفيلسوف « 4 » مع أن طبه وعلمه كان لهما أثر في الشرق والغرب لا يقل عن أثر فلسفته . ونستطيع أن نقرر أن دراسة الحيوان في العالم العربي بقيت عالة عليه وعلى الجاحظ حتى أخريات القرن الماضي . وقد غذّى كتابه في الحيوان أيضا الدراسات العلمية المبكرة في القرن الثالث عشر الميلادي بباريس وأكسفورد . وكلنا يعلم عناية ألبير الكبير بالتاريخ الطبيعي ، إلى حدّ أنه
هامش
( 1 ) المصدر السابق ، ص 147 - 164 .
( 2 ) المصدر السابق ، ص 392 .
( 3 ) المصدر السابق ، ص 128 .
( 4 ) د . إبراهيم مدكور ، المعادن والآثار العلوية ، لابن سينا ، القاهرة 1965 ، مقدمة ص ه - ح .